25. فبراير 2026

العودة إلى دمشق: بين الحنين والواقع

في صيف هذا العام قررت عائلة سورية تعيش منذ سنوات في ألمانيا قضاء عطلتها الصيفية في دمشق. كانت الرحلة مليئة بمشاعر متناقضة في مدينة «تغيّر وجهها دون أن تفقد روحها»، كما يقول الأب.
تتكوّن العائلة، التي فضّلت عدم ذكر اسمها، من سبعة أفراد، تتراوح أعمار الأطفال فيها بين ثلاث سنوات وتسعة عشر عامًا. وصل الأب (49 عامًا) إلى ألمانيا عام 2015 ويعمل اليوم في مجال البناء والهندسة. لحقت به الأم (39 عامًا) والأطفال لاحقًا عبر لمّ الشمل. وبعد حصولهم على الجنسية الألمانية عام 2021، كانت هذه الزيارة الثانية للأم والأطفال، إذ سبق أن زاروا سوريا في صيف 2023.

لقاء بعد سنوات

حملت هذه الرحلة معنى خاصًا للأب. فقد غادر سوريا عام 2012 ولم يعد إليها منذ ذلك الحين. يقول: ” لم أصدّق نفسي بعد أكثر من اثني عشر عامًا أنا في دمشق من جديد. للأسف، كثير من الأحياء مدمّرة، لكن المدينة ما زالت تحتفظ بشيء من دفئها القديم، بمزيج من الإرهاق والأمل”
أما الأم فتصف مشاعرها بأنها مزيج متناقض بين الألم والجمال: “دمشق مدينة فيها سحر خاص، تمنحك إحساسًا بالطمأنينة والأمان رغم كل الصعوبات”. وما لفت نظرها هذه المرة بشكل خاص: ” الناس يبدون أكثر طمأنينة وراحة، وعلى وجوههم ابتسامة رغم استمرار الوضع الاقتصادي الصعب”

في حيّ أبو رمانة، أحد الأحياء الراقية في المدينة.
الصورة: tuenews INTERNATIONAL.

الحياة اليومية في دمشق

يتحدث الأب عن تفاصيل الحياة اليومية خلال الزيارة: «أقمنا عند أقارب في حيّ ميسور. لديهم أربع خزانات مياه كبيرة ونظام طاقة شمسية مع بطاريات، لذلك لم نواجه مشاكل تُذكر في الكهرباء أو المياه». لكنه يضيف: «في معظم الأحياء الأخرى الوضع مختلف تمامًا. انقطاع الكهرباء لأكثر من عشرين ساعة يوميًا أمر شائع. والمياه غالبًا لا تأتي إلا لساعات قليلة، وأحيانًا تنقطع لأيام. شبكة الكهرباء قديمة ومتهالكة وتحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائها». وبينما تعتمد العائلات الميسورة اليوم على الطاقة الشمسية أو المولدات، يعيش غالبية السكان معظم اليوم في الظلام.

سلع كثيرة ما زالت بعيدة المنال

تقول الأم إنها لاحظت تغييرًا هذه المرة: «في الزيارة السابقة كانت الشوارع مليئة بالسيارات القديمة والمتاجر شبه فارغة. الآن ترى سيارات أحدث ومنتجات مستوردة أكثر. يبدو المشهد أكثر حيوية». لكنها تؤكد أن هذا التحسن الظاهري لا يعكس الواقع: ” الدخل الشهري لكثير من السوريين لا يتجاوز 30 إلى 40 يورو. الأسعار مرتفعة، ومعظم السلع تبقى بعيدة المنال عن الأغلبية”

سارية علم في ساحة عدنان المالكي.
الصورة: tuenews INTERNATIONAL.

تجربة غير متوقعة

تحكي إحدى البنات (17 عامًا) عن تجربة شخصية: «أعاني منذ سنوات من رهاب الحيوانات. في ألمانيا لم يكن ذلك مشكلة كبيرة، لكن في سوريا كان الأمر صعبًا للغاية بسبب وجود القطط والكلاب في الشوارع. ذهبت إلى معالج نفسي، والمفاجأة أنني شعرت بتحسّن سريع وحصلت على مواعيد فورًا. في ألمانيا كنت سأنتظر شهورًا”

المرور والفوضى

تقول الأم، التي تقود السيارة منذ أكثر من اثني عشر عامًا: «لم أجرؤ على القيادة في دمشق. حركة المرور فوضوية والقوانين بالكاد تُحترم». لكنها لاحظت أيضًا أن «الشوارع أنظف وأكثر تنظيمًا من السابق». فقد جرى ترميمها وإنارتها، وزُرعت بجانبها أزهار أو أشجار. ورغم هذه التحسينات البسيطة، يبقى المرور تحديًا يوميًا بسبب الازدحام الشديد وقلة وسائل النقل العام وارتفاع أسعار الوقود.

في شوارع دمشق.
الصورة: tuenews INTERNATIONAL.

في طريق التعافي

من وجهة نظر الأم، فإن «البنية التحتية والمدارس والسكن ليست جاهزة بعد لاستقبال الأعداد الكبيرة من اللاجئين العائدين إلى سوريا. كما أن أطفالنا لن يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس السورية فورًا لأن لغتهم العربية ليست قوية بما يكفي، رغم أنها مادة إلزامية». إضافة إلى ذلك، ما زال الوضع العام في البلاد غير مستقر، وتزيد الهجمات الإسرائيلية المستمرة من الشعور بعدم الأمان. وتضيف: «سوريا تشبه إنسانًا تعافى من مرض طويل. هو في طريق الشفاء، لكنه لم يستعد عافيته بعد”

عودة نهائية؟ ليس الآن

على الرغم من الدفء العاطفي الذي رافق الزيارة، لا تخطط العائلة حاليًا للعودة إلى سوريا. توضّح الأم: «الزيارة شيء، والعودة للاستقرار شيء آخر. زرنا سوريا لنستعيد الذكريات، ولنستنشق هواء الوطن، ولنلتقي العائلة، لكن العودة الآن غير ممكنة». تشعر العائلة السورية بمزيج من الحنين إلى الماضي والرغبة في الأمان في الحاضر. وقد منحتهم الزيارة استراحة قصيرة من حياة العمل المكثف والعزلة الاجتماعية في الغربة، والفرصة لتجديد صلتهم بالوطن.
علا محفوظ

tun25090903

www.tuenews.de/ar