شكّلت الأخبار اليومية حول أوضاع اللاجئين، وكذلك المواد التي تقدّم نصائح حياتية عملية للحياة اليومية، الأساس الذي قامت عليه تونيوز ولا يزال حتى اليوم – سواء في البداية في النسخ المطبوعة أو لاحقًا عبر الإنترنت. وإلى جانب ذلك، وُجدت منذ وقت مبكر أيضًا موضوعات ثقافية. وكان الهدف منها جعل ثقافات بلدان المنشأ أكثر وضوحًا وفهمًا للاجئين الآخرين وكذلك للقرّاء الألمان. كما جرى تناول مسألة التقاء هذه العادات الثقافية مع العادات السائدة في بلد الاستقبال ألمانيا. وقد عولجت مثل هذه الموضوعات المطوّلة في المجلات.
فعلى سبيل المثال، جرى التطرّق بشكل موسّع إلى وضع النساء المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب، وإلى تجارب التمييز التي يواجهنها في المجتمع الألماني. وفي هذا السياق، أجرت ثلاث نساء مسلمات (محجبتان وواحدة من دونه) مقابلة مع عالمة لاهوت إسلامي لمعرفة ما الذي يقوله القرآن تحديدًا بشأن مسألة الحجاب.
ومثال آخر: كيف يتعامل اللاجئون مع ثقافة الخبز الألمانية المعقّدة وتسمياتها المربكة؟ «هناك نكتة تقول إن في ألمانيا مئات أنواع الخبز، ومعظمها يُسمّى: ‟ذاك هناك”، ويليه مباشرة ‟لا، الذي بجانبه”». هكذا قال خبّاز معروف في مقابلة مع تونيوز. كما كانت فترة شهر رمضان التي تتكرّر سنويًا موضوعًا متكررًا لتقارير توضيحية.
وفي هذه المواد المطوّلة، تبيّن في كثير من الأحيان أن من المفيد سؤال خبراء، لا سيما عندما لا تكون عملية العثور على مصادر موثوقة سهلة. لذلك سعت هيئة التحرير مرارًا إلى التواصل مع أكاديميين وخبراء من المجال العملي. وبهذا أصبح إجراء المقابلات وتحويلها إلى نصوص جزءًا معتادًا من العمل الصحفي عند تناول موضوعات معقّدة.
جديد في هيئة التحرير: خبرة أثرية وفي تاريخ العملات
شهد مجال «الثقافة» تطوّرًا نوعيًا جديدًا خلال فترة جائحة كورونا في أواخر عام 2020 وبدايات عام 2021، عندما تواصل شخصان جديدان مع تونيوز: يوسف كنجو، عالم آثار وأنثروبولوجي سوري ومدير سابق للمتحف الوطني للآثار في حلب، أصبح عضوًا في هيئة التحرير، فيما كتب شتيفان كِرمنيتسك، الباحث النمساوي في علم المسكوكات بجامعة توبنغن، بانتظام مقالات ضيف حول العملات القديمة من بلدان المنشأ الشرقية، الموجودة ضمن مقتنيات متحف الجامعة. وبهذا تحوّل موضوع «الثقافات» إلى خط إنتاج ثانٍ حقيقي لتونيوز مدعوم علميًا ومكتوبًا بلغة مفهومة في الوقت نفسه.
في أولى مقالات يوسف كنجو، جرى على سبيل المثال تناول كيف أدّى التعايش الوثيق بين الإنسان والحيوان منذ العصر الحجري إلى ظهور أولى الأوبئة، وكيف أمكن من خلال اكتشاف معصرة نبيذ عمرها 2700 عام في لبنان إثبات اختراع زراعة الكرمة في الشرق الأوسط. كما تطرّق إلى أن أول حرب وقعت على الأراضي السورية قبل 6000 عام، وهي أقدم ذكر معروف عالميًا لصراع حربي.
تُعدّ العملات القديمة عادة موضوعًا جافًا وصعب الفهم. غير أن شتيفان كِرمنيتسك أظهر في نصوصه ما الذي يمكن تعلّمه من هذه العملات: فعلى سبيل المثال، أن «فيليب العربي»، المنحدر من المنطقة التي تُعرف اليوم بسوريا، أصبح إمبراطورًا رومانيًا، وأن امرأة سورية كانت جدّة لإمبراطورين رومانيين. كما يمكن الاستدلال من عملة من منطقة هندوكوش على أن مملكة يونانية امتدّت حتى شمال أفغانستان. وتُثبت عملة من مدينة غزة أن هذا المكان كان في العصور القديمة إحدى أهم مدن الموانئ في المنطقة لتجارة البخور القادمة من داخل شبه الجزيرة العربية.

الصورة: تونيوز إنترناشونال/ علا محفوظ.
نقرات كثيرة لمقالات الهجرة بوصفها محرّكًا للتطوّر الثقافي
وكان من اللافت أن هذه المقالات حول التاريخ الثقافي حقّقت أعلى نسب المشاهدة بين جميع المقالات، حيث تم النقر عليها عشرات الآلاف من المرّات. كما تبيّن أنها لاقت انتشارًا عالميًا، ولا سيما باللغتين العربية والفارسية، ويبدو أن ذلك تم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وعلى مدى السنوات اللاحقة، تطوّر بشكل تلقائي ومن دون تخطيط خيطٌ ناظم يتمثّل في التركيز على الهجرة بوصفها المحرّك الأساسي للتطوّر الثقافي. ولم يكن مفاجئًا أن نشأت في الحضارات العريقة لبلاد الرافدين على نهري الفرات ودجلة أولى الكتابات، وكذلك أول أبجدية وأول أنظمة عددية وأولى المؤلّفات الموسيقية، وأنه هنا تأسّست أولى المدارس في العالم وظهرت تقاليد جديدة مثل شواهد القبور. وقد انتقلت كل هذه الإنجازات الثقافية غربًا إلى أوروبا الحالية.
لكن قبل ذلك بعشرات آلاف السنين، انتقل أوائل البشر المعاصرين من نوع «الإنسان العاقل – Homo sapiens» من الشرق الأوسط إلى أوروبا، بعد أن استقرّوا هناك قادمين من إفريقيا. وقبل نحو 10 آلاف عام، ظهرت الزراعة في الشرق الأوسط، وبذلك تأسّست حياة الاستقرار كصيغة جديدة للعيش إلى جانب حياة الترحال، وبدأ تشييد منشآت دينية طقسية ضخمة. ولم يتم دفع هذا التطوّر الثقافي – خلافًا لما كان يُعتقد سابقًا – عبر التجارة والتبادل، بل من خلال هجرة أعداد كبيرة من البشر من الأناضول إلى أوروبا، بدءًا من نحو 8 آلاف عام، وتواصل ذلك بعد 2000 عام مع ما يُعرف بفرسان السهوب القادمين من آسيا الوسطى. وتُظهر الاكتشافات الحديثة في علم الوراثة القديمة أن هذه التيارات الهجرية تحدّد بنسبة 90 في المئة التركيبة الجينية لسكان وسط أوروبا اليوم، وبالتالي لون بشرتهم الفاتح.

(https://www.ikmk.uni-tuebingen.de/object?id=ID10755).
الصورة: شتيفان كِرمنيتسك
المساعدة التنموية الأندلسية وطريق المقاهي
حتى في العصور الوسطى، استمرّ تأثير الشرق في وسط أوروبا: فقد أدّى انتشار الإسلام في القرن الثامن إلى ازدهار ثقافي دام 800 عام في الأندلس بجنوب إسبانيا. وأسهمت الابتكارات في مجالات النظافة والطب، والفلك، والرياضيات، والعمارة، والزراعة، وأنظمة الري في التأثير على وسط أوروبا في العصور الوسطى. كما أن عناصر أساسية من الحياة اليومية المعاصرة، مثل المقاهي، تعود أصولها إلى الشرق الأوسط: فقد ظهرت أولى المقاهي في دمشق وحلب، ثم انتقلت عبر إسطنبول إلى أوروبا. ويمكن الاطلاع على هذه التطوّرات التاريخية والثقافية وغيرها الكثير في مقالات تونيوز.
تعلّم فهم الإسلام والثقافة العربية
وأخيرًا، لا بدّ من ذكر مجال موضوعي آخر تتحمّل مسؤوليته بشكل أساسي المحرّرة علا محفوظ، وهي معلّمة لغة عربية من دمشق. فقد أطلقت سلسلة مقالات تهدف إلى مواجهة نقص المعرفة الشائع حول ديانة الإسلام وثقافة البلدان الإسلامية، موجّهة بذلك أيضًا إلى فئة محدّدة، هي المتطوّعون الألمان المهتمّون والناشطون في مجال دعم اللاجئين.
ومن بين الموضوعات التي جرى تناولها: خديجة، أولى زوجات النبي محمد، ومفهوما «الحلال» و«الحرام»، وقواعد الزواج في الإسلام، وكذلك «دمشق: موطن الورود والسوسن والياسمين»، والخط العربي، واختراع لعبة الشطرنج.
ميشائيل سايفرت
tun25121704

