لطالما كان الزجاج مادة تثير إعجاب البشر. ويبدو أن صناعته اكتُشفت بالصدفة. ولعب الشرق الأوسط دوراً أساسياً في هذا الاكتشاف. فقد نقل الفينيقيون منتجات الزجاج إلى أوروبا.
بدايات صناعة الزجاج
في عصور ما قبل التاريخ، استخدم الناس حجراً طبيعياً يسمى الزجاج البركاني أو حجر السج (الابسيديان)، وهو مادة شبيهة بالزجاج، لصنع أدوات حادة ومجوهرات ومرايا. كان هذا الحجر الأسود اللامع نادراً ويتم نقله لمسافات طويلة. في وقت لاحق، نجح الحرفيون في الشرق الأوسط في محاكاة الطبيعة وصنع الزجاج بطرقهم الخاصة.
تشير بعض المصادر القديمة، مثل بليني الأكبر في القرن الأول الميلادي، إلى أن اكتشاف الزجاج حدث بالصدفة على السواحل، عندما وضع البحارة أوانيهم المعدنية على الرمال واستخدموا كتل الصودا (كربونات الصوديوم) لتثبيت أواني الطهي الخاصة بهم. انصهر الرمل تحت الحرارة مع الصودا الكيميائية وشكل مادة لامعة وشفافة.
قبل ذلك بقرون، حوالي عام 1500 قبل الميلاد، طور الحرفيون المصريون طريقة لصنع الأواني الزجاجية، وظهرت أول إشارة إلى صناعة الزجاج حوالي عام 650 قبل الميلاد على ألواح حجرية آشورية.
الفينيقيون رواد صناعة الزجاج
يُنسب الفضل إلى الفينيقيين في تطوير صناعة الزجاج وانتشارها على نطاق واسع. كانوا يسكنون مدن ساحلية في الشرق الأوسط، مثل صور وصيدا وأرواد، وكانوا من أوائل من أتقنوا فن صهر الرمل وصبغه. استخدموا النحاس لإنتاج اللون الأزرق، والحديد لإنتاج اللون الأخضر، والمنغنيز لإزالة العكارة. في القرن الأول قبل الميلاد، اخترعوا تقنية نفخ الزجاج، مما جعل الإنتاج أسرع وأرخص وانتشر الزجاج في جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط.
لم يكن الزجاج الفينيقي مجرد سلعة منزلية، بل كان أيضًا عملًا فنيًا دقيقًا: لآلئ، وزجاجات عطور، وتمائم، وأحجار كريمة ملونة، كانت تستخدم للزينة والطقوس. وصلت هذه المنتجات إلى مصر واليونان وروما، وتشهد على شبكات التجارة الواسعة النطاق التي ربطت الفينيقيين بالعالم القديم. يمكن اعتبار الزجاج الفينيقي أحد أقدم رموز العولمة القديمة: مادة شفافة حملت التقاليد والثقافات من بحر إلى آخر.
من الرومان إلى البيزنطيين
في سياق توسع الإمبراطورية الرومانية، تبنى الرومان تقنيات صناعة الزجاج الفينيقية وحولوا الزجاج من سلعة فاخرة إلى منتج يومي. وأنشأوا ورشات في جميع أنحاء الإمبراطورية، من الإسكندرية إلى روما وحتى على ضفاف نهر الراين. استُخدم الزجاج في النوافذ والأواني والمصابيح وتزيين القصور والمعابد، بينما ظل طابعه الشرقي واضحًا في ألوانه وزخارفه البحرية ودقة صنعه.
مع انقسام الإمبراطورية وصعود القسطنطينية، دخل الزجاج في العصر البيزنطي مرحلة جديدة ارتبط فيها بالفن الديني. ولا تزال الكنائس في اسطنبول الحالية تشهد على هذا الفخامة بفسيفسائها المذهبة. تعكس قطع الزجاج الصغيرة الضوء كما لو كانت شظايا من السماء.

العصر الإسلامي
أعطى العصر الإسلامي حياة جديدة للزجاج. في دمشق والفسطاط والبصرة، لم يكن الزجاج مجرد استمرار للتقاليد القديمة، بل كان ميلاد شكل فني جديد يجمع بين الهندسة والتجريد. في القرن الثالث عشر، ظهرت تقنية طلاء الأواني بالمينا والذهب في دمشق، مما جعل الزجاج بمثابة لوحة قماشية تُكتب عليها نصوص بخط الكوفي والخط النسخ وتُزين بزخارف نباتية متلألئة.
لا تزال هناك مصانع زجاج تقليدية في مدن سورية مثل أرمناز ودمشق تحافظ على الأساليب القديمة في النفخ اليدوي والتلوين، والتي تعود إلى قرون من الإبداع. في عام 2023، أدرجت اليونسكو صناعة الزجاج السورية في قائمتها للتراث الثقافي غير المادي باعتبارها عنصرًا من عناصر التراث الثقافي التي تحتاج إلى حماية عاجلة:
unesco.org – traditional-syrian-glassblowing

الزجاج في أوروبا وعصر النهضة
في أوروبا في العصور الوسطى، كانت أنواع الزجاج تختلف باختلاف البيئة. في الشمال، كان” زجاج الغابة“المصنوع من رماد الخشب شائعًا، بينما في الجنوب كان الزجاج بالصودا هو المفضل. في القرن الرابع عشر، اكتسبت جزيرة مورانو في البندقية أهمية، وأصبح زجاجها الشفاف رمزًا للرفاهية. كانت أسرار صناعته محفوظة كأسرار عسكرية.
في جنوب ألمانيا، كانت الغابة السوداء مركزًا لصناعة الزجاج، التي تأسست هناك منذ 800 عام. اليوم، لا تزال هناك مصانع لنفخ الزجاج، على سبيل المثال في ألبيرسباخ (مقاطعة فرويدنشتات) وولفاخ في وادي كينزيغ. في دوروثينهويت هناك، يقدم متحف جولة عبر 2000 عام من تاريخ الزجاج:
Dorotheenhütte – Werdet selbst zum Glasmacher

الآلات الحديثة والابتكارات
خلال الثورة الصناعية، شهد الزجاج تغييرًا آخر عندما أضيف أكسيد الرصاص إلى الزجاج المصهور، مما زاد من شفافيته ولمعانه. كانت بريطانيا وألمانيا رائدتين في الابتكارات في صناعة الكريستال والزجاج المسطح. في القرن التاسع عشر، ظهرت آلات قادرة على إنتاج آلاف الزجاجات في الساعة، وفي منتصف القرن العشرين، ظهرت تقنية الزجاج المصقول، التي وفرت أسطحًا أكثر اتساقًا ووضوحًا، ومهدت الطريق لظهور ناطحات السحاب الزجاجية والشاشات الحديثة.
في الواقع، تاريخ الزجاج يعكس تاريخ البشرية في سعيها نحو الابتكار والحرفية. من الصخور البركانية إلى المختبرات الكيميائية الحديثة، ظل الزجاج شاهدًا شفافًا على قدرة الإنسان على تحويل الطبيعة إلى جمال. فهو ليس مجرد مادة، بل لغة بصرية تعبر عن روح كل عصر، كما تثبت ذلك المعابد القديمة والمساجد والكنائس والمباني الحضرية الحديثة على حد سواء.
يمكن العثور على مزيد من المعلومات على:
youtube.com – syrian glasblowing عربي
youtube.com – Armanaz, glass-manufacturing إنكليزي.
يوسف كنجو وعبد الباسط كناوي
tun25072906

