10. أبريل 2026

 عبادةُ الأجداد وعبادةُ الجماجم في الشرق الأوسط والثقافات الأخرى

لقد وُجدت بالفعل آثارٌ لمعتقداتٍ دينية في أقدم الاكتشافات الأثرية التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، ولا سيّما تلك التي تشير، في سياق دفن الموتى، إلى تصوّراتٍ حول الحياة بعد الموت. وتُعَدّ عبادةُ الأجداد، التي كانت منتشرةً في عدّة مناطق من سوريا، وكذلك في مناطق أخرى من الشرق الأوسط وتركيا، من أبرز مكوّنات هذه المعتقدات.

 جماجم في المنازل: عبادة الأجداد منذ 11 ألف عام

في شمال حلب، سوريا، في تلّ القرامل، الذي يعود تاريخه إلى الفترة ما بين 12000 و8000 قبل الميلاد، ظهرت بوادر القرى الأولى، حيث شهد الموقع تحوّلًا من الأكواخ إلى بناء المنازل خلال فترة زمنية متدرّجة. وقد أدّى الاستقرار والسكن الدائم إلى ظهور بدايات تدجين الحيوانات والنباتات. كما كانت الفنون متطوّرة إلى حدّ كبير، ولا سيّما الزخرفة على الحصى النهرية التي استُخدمت كأدوات في الحياة اليومية، إذ مثّلت هذه الزخارف النباتات والحيوانات والمعتقدات الدينية السائدة في تلك الفترة، خاصة في الألف التاسع قبل الميلاد.
تُعدّ المنازل من أغنى مصادر الشواهد الأثرية في الموقع، حيث شهدت تطوّرًا مستمرًا من الأشكال الدائرية إلى المستطيلة. ولا يعني إدخال الأشكال الجديدة التخلّي عن الأشكال القديمة؛ إذ غالبًا ما تظهر المنازل شبه المستطيلة بالتزامن مع المنازل المستديرة والبيضاوية.
ويبدو أن للمعتقدات الدينية مكانة خاصة في هذا الموقع، ولا سيّما فيما يتعلّق بعبادة الأجداد؛ فقد تمّ اكتشاف أربع جماجم منفصلة عن هياكلها العظمية، أو غير مرتبطة بها مباشرة، في مواقع مختلفة فوق أرضية أحد المنازل. وكانت أرضية المنزل مُهيّأة بعناية بحيث تبقى الجماجم مرئية لسكان المنزل وزوّاره. ولم تُكتشف هذه الجماجم في جميع المنازل، بل في منزل واحد فقط، في حين عُثر في منازل أخرى، وكذلك أسفلها أو بالقرب منها، على هياكل عظمية كاملة مع جماجمها. وقد يشير ذلك إلى أن فصل الجمجمة لم يكن يُطبّق على جميع الأفراد، بل كان يقتصر على أشخاص معيّنين.

تم اكتشاف مجموعة من الجماجم المرئية للسكان في غرفة أحد المنازل في تل القرامل شمال سوريا. الصورة: يوسف كنجو.

 التطوّرات اللاحقة: الجماجم المُقولبة

تشير المكتشفات الأثرية في جنوب سوريا، وتحديدًا في تلّ أسود بالقرب من مطار دمشق الدولي، إلى تطوّرٍ واضح في المعتقدات المرتبطة بفصل الرأس عن الجسد. فقد عُثر على جماجم طُليت وجوهها بالجص، ثم زُيّنت، على الأقل، باللون الأحمر.
يعود تاريخ تلّ أسود إلى الألف السابع قبل الميلاد، وقد كُشف فيه عن عدد كبير من الدمى الطينية التي تمثّل الإنسان والحيوان، إلى جانب بيوت واسعة نسبيًا. وفوق بعض أرضيات هذه البيوت، وُجدت ما يُعرف بالجماجم المُقولبة (أو المُجصّصة)، حيث جرت محاولة إعادة تمثيل ملامح وجه الشخص قبل الوفاة. وقد اكتُشفت هذه الجماجم أحيانًا ضمن مجموعات تصل إلى خمس جماجم معًا، وأحيانًا أخرى كانت تحيط بهيكل عظمي.

لماذا تمّ فصل الجماجم وقولبتها؟

تُطرح عدة فرضيات لتفسير هذه الظاهرة، وجميعها تشير إلى طقوس انتقالية تهدف إلى نقل الجمجمة من القبر إلى المنزل. ولا توجد أدلّة مادية مباشرة توثّق هذه المرحلة الانتقالية، إلا أن الهدف المرجّح منها كان إعادة تشكيل دورٍ جديد للمتوفّى في الحياة الروحية والرمزية داخل المجتمع. وفي الوقت نفسه، قد تعكس هذه الممارسات تأكيدًا على ملكية المكان وتعزيز الهوية الجماعية من خلال الحضور المادي للأسلاف، أو أجزاء منهم.
أما السيناريو الأول، وهو الأكثر شيوعًا، فيتمثّل في دفن الجسد كاملًا بعد الوفاة، خاصة إذا كان للمتوفّى مكانة مميّزة (عمرية أو دينية أو اجتماعية). وبعد فترة من الزمن، وعقب تحلّل الجثة، تُستخرج الجمجمة وحدها، غالبًا دون الفكّ السفلي. بعد ذلك تبدأ عملية القولبة (أو التجصيص)، حيث يُطلى الوجه بالجص لتشكيل ملامح فنية تُبرز العينين والفم والأنف. ثم تُنقل الجمجمة إلى مكان مميّز داخل أحد المنازل لتبقى مرئية بشكل دائم لأفراد الأسرة أو الجماعة. ويبدو أن هذه العملية كانت تتكرّر عبر أجيال متعددة، وهو ما يفسّر العثور على عدة جماجم مجتمعة. وفي مرحلة لاحقة، وبعد هجران القرية، كانت هذه الجماجم تُدفن داخل المنازل، الأمر الذي ساهم في حفظها حتى يومنا هذا.
أما الطريقة الأخرى والأقدم زمنيًا، كما هو الحال في تلّ القرامل، فتتمثّل في فصل الرأس مباشرة بعد الوفاة باستخدام أداة حادّة من الصوّان، ثم وضعه داخل المنزل. ويبدو أن عادة قولبة الجماجم تمثّل مرحلة متطوّرة لاحقة، جاءت بعد مرحلة استخدام الجماجم بشكلها الطبيعي دون أي تزيين أو تعديل.

   لماذا يتمّ الاحتفاظ بالجمجمة وعرضها؟

ترى العديد من المجتمعات القديمة أن الجمجمة أو الرأس بحسب تصوّرهم تمثّل مركز القوة والروح لدى الإنسان؛ ومن ثمّ فإن الاحتفاظ بها يعني الاحتفاظ بحكمته وقوّته. كما أن وجودها في المكان قد يشكّل صلةً روحية بين الأحياء والأموات، فتعمل بوصفها وسيطًا أو وعاءً لروح المتوفّى.
وفي الوقت نفسه، تحمل الجمجمة أو الرأس دلالات رمزية عميقة لدى تلك المجتمعات، ولا سيّما من خلال حضورها الدائم داخل المنزل؛ إذ كان الهدف منها الحفاظ على تواصلٍ ماديّ مباشر ومستمر مع الأسلاف، من الأجداد إلى الأبناء فالأحفاد، على امتداد فترات زمنية طويلة. فهي لا تمثّل وجودًا ماديًا فحسب، بل حضورًا روحيًا أيضًا، خصوصًا للشخص الأكبر سنًا أو الأعلى مكانة. ويمكن فهم هذه الممارسات بوصفها تجسيدًا للمعتقدات الدينية والاجتماعية في تلك المرحلة.
كما تقدّم هذه الدلائل الجنائزية شواهد مادية على وجود رابطٍ مستمرّ وفعّال بين عالم الأحياء وعالم الأموات، وتعكس في الوقت ذاته ارتباطًا قويًا بالذاكرة الجماعية وممارسات عبادة الأسلاف.

طقوس الأسلاف في آسيا

في مناطق مختلفة من آسيا ظهرت ممارسات مشابهة، إلا أنها ارتبطت غالبًا بحفظ عظام الأسلاف أو جماجمهم ضمن إطار الطقوس العائلية. ففي بعض مناطق جنوب شرق آسيا، مثل إندونيسيا، حافظت جماعات ومنها شعب التوراجا على تقاليد جنائزية تتضمّن استخراج عظام الموتى بعد فترة من الدفن، ثم إعادة وضعها في أماكن مخصّصة داخل المقابر العائلية. كما تُقام طقوس دورية لزيارة الموتى وتقديم القرابين لهم، في تعبير واضح عن استمرار العلاقة بين الأحياء والأسلاف.
أما في اليابان، فتشير بعض المدافن العائدة إلى ثقافة جومون إلى ممارسات مثل إعادة ترتيب الجماجم أو عزلها داخل مواقع الدفن، وهو ما قد يعكس دورًا رمزيًا للرأس بوصفه مركز الهوية الإنسانية. وتتميّز هذه الممارسات في آسيا بتركيزها على استمرارية العلاقة بين العائلة والأسلاف، أكثر من ارتباطها بطقوس الاستعراض الديني أو الممارسات الشعائرية العلنية.

 جماجم الضحايا البشرية عند الأزتك والمايا

في المقابل، تأخذ الجماجم في حضارتي الأزتك والمايا في المكسيك طابعًا مختلفًا، إذ ترتبط غالبًا بالطقوس الدينية العامة والتضحيات البشرية. فقد ظهرت منصّات عرض الجماجم المعروفة باسم تزومبانتلي (Tzompantli)، وهي هياكل خشبية كانت تُعرض عليها جماجم ضحايا القرابين البشرية. وقد عُثر على أمثلة بارزة لهذه المنشآت في معابد كبرى مثل Templo Mayor في العاصمة Mexico City، حيث كُشف عن مئات الجماجم المرتبطة بطقوس دينية هدفت إلى إرضاء الآلهة وضمان استمرار النظام الكوني، ولا سيّما ما يتعلّق بدورة الشمس وخصوبة الأرض الزراعية.

من عصور ما قبل التاريخ إلى الحاضر والمستقبل

تُظهر دراسة طقوس عبادة الأجداد في عصور ما قبل التاريخ وخاصة في سياق عرض الجماجم، الأهمية البالغة للدراسات الأثرية في فهم المجتمعات البشرية خلال الاثني عشر ألف سنة الماضية. ولا يزال هذا الإرث الأثري يؤثّر حتى يومنا هذا في تشكيل الهوية الثقافية، وتعزيز التواصل بين الأجيال، وترسيخ الشعور بالانتماء إلى المكان.
فالكثير من المجتمعات الحديثة تسعى إلى ربط جذورها وهويتها الثقافية بالحضارات السابقة، سواء من خلال البحث العلمي، أو عبر التقنيات الحديثة مثل النماذج الرقمية للمواقع الأثرية، أو من خلال السرديات التاريخية. ومن هنا، تتزايد الجهود عالميًا للحفاظ على التراث الثقافي وحمايته، ليس فقط من أجل الحاضر، بل أيضًا من أجل الأجيال القادمة.

tun26030303

http://www.tuenews.de/ar