ارتبطت احتفالات رأس السنة منذ العصور القديمة بالسياقات الدينية والاجتماعية والسياسية والفلكية للمجتمعات البشرية. فمع تطوّر أنظمة التقويم المعتمدة بشكل رئيس على الملاحظات والحسابات الفلكية لحركة الشمس والقمر، استغل الإنسان من بدايات السنوات مناسبات للاحتفال والتعبير الرمزي عن تجدد الزمن. وعلى الرغم من وحدة المناسبة المتمثلة في بداية عام جديد، فإن أشكال الاحتفال وطرقه اختلفت باختلاف الثقافات والحضارات، حيث ارتبطت هذه الممارسات ارتباطًا وثيقًا بالمعتقدات الفكرية والدينية والسياسية السائدة في كل مجتمع وعصر. وقد شهدت هذه الاحتفالات تطورًا مستمرًا عبر التاريخ، وصولًا إلى العصر الحديث، حيث باتت تُعدّ ظاهرة ذات طابع عالمي تشترك فيها معظم الشعوب، مع احتفاظ كل ثقافة بخصوصيتها في أساليب التعبير عنها.
شرعية الملك من خلال الآلهة
يُعد احتفال الأكيتو في حضارات بلاد الرافدين (السومريون والبابليون) أقدم احتفال معروف برأس السنة، ويعود إلى نحو عام 2000 ق.م. كان يبدأ مع الاعتدال الربيعي في شهر نيسان، ويرمز إلى بداية موسم الزراعة وتجدد الحياة. تميز الأكيتو بطقوس دينية وسياسية تشمل نقل تماثيل الآلهة في مواكب دينية، أداء طقوس تمثل صراع الآلهة وانتصار النظام على الفوضى، وتجديد شرعية الملك عبر قسم الولاء للإله مردوخ، بالإضافة إلى احتفالات شعبية تستمر 12 يومًا بالأغاني والولائم. يعكس الأكيتو مركزية الملك والآلهة في المجتمع وعلاقتهما بالتوازن الكوني والاجتماعي.
تجديد الحياة من خلال فيضان النيل
ارتبط رأس السنة في مصر القديمة بظاهرة الفيضان السنوي لنهر النيل وظهور نجم الشعرى اليمانية في السماء، وعُرف الاحتفال باسم “وِبِت-رنبت” أو افتتاح السنة الجديدة. كانت هذه المناسبة رمزية لتجدد الحياة وضمان خصوبة الأرض، ولذلك ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالدورة الزراعية التي شكلت أساس الحضارة المصرية. شملت الاحتفالات إقامة طقوس دينية مهيبة في معابد آمون ورع وإيزيس، وتقديم القرابين للآلهة شكرًا على قدوم الفيضان الذي يجدد الحياة ويضمن استمرار الإنتاج الزراعي. كما كان إشعال المشاعل جزءًا من الطقوس، رمزًا للخصوبة والنور، إلى جانب الاحتفالات الشعبية التي تضمنت الأناشيد والموسيقى والرقصات الجماعية، ما أضفى طابعًا اجتماعيًا على الحدث.
احتفالات ديونيسوس بالمسرح والفن
لم يكن لدى الإغريق تاريخ ثابت لبداية السنة، إذ اختلف ذلك باختلاف المدن والدول المدينة. ففي بعض المناطق كانت السنة تبدأ في منتصف الصيف، بينما كانت تبدأ في مناطق أخرى مع حلول الشتاء. ارتبطت احتفالات السنة الجديدة بالبعد الديني، حيث كانت تقدّم للآلهة طلبات وبركات لضمان الخير والازدهار. وكان من أبرز الآلهة التي احتفلوا بها ديونيسوس، إله الخمر والبهجة، حيث ارتبطت احتفالاته بالمرح والمسرح والاحتفاء بالحياة. كما كانت المسرحيات الدينية جزءًا أساسيًا من الطقوس، فقد قدمت في الأماكن العامة لتكون وسيلة للتعبير عن القيم الدينية والاجتماعية والتاريخية للمجتمع. إضافة إلى ذلك، شملت الاحتفالات إقامة الولائم العامة والمواكب التي جمعت الناس في مناسبات جماعية للتفاعل الاجتماعي والاحتفال بالفن والبهجة. ومن خلال هذه الفعاليات، اكتسب الاحتفال بطابع اجتماعي وفني واضح، أكثر من كونه مرتبطًا بالسياسة أو السلطة.
النور والخير مقابل الظلام والشر
يُعد عيد نوروز الذي لا يزال يحتفل به الفرس والكرد من أقدم الأعياد المستمرة حتى اليوم، ويبدأ مع الاعتدال الربيعي رمزًا لتجدد الطبيعة. تشمل تقاليده تنظيف المنازل، إعداد مائدة السبعة سين، القفز فوق النار للتطهير الرمزي، والاحتفال في الحدائق والحقول. وترتبط هذه العادات بالمعتقدات الزرادشتية التي تؤكد معاني النور والخير في مواجهة الظلام والشر.
منذ عهد يوليوس قيصر، يبدأ العام في الأول من يناير
في الحضارة الرومانية، شكّل تحديد رأس السنة نقطة تحول تاريخية، إذ كان العام يبدأ في شهر مارس قبل أن يقرّر يوليوس قيصر عام 46 ق.م اعتماد الأول من يناير بداية للسنة تكريمًا للإله يانوس، إله الأبواب والبدايات. شملت الاحتفالات تبادل الهدايا، إشعال النيران، إقامة الولائم العامة، وتقديم القرابين ليانوس طلبًا لعام مبارك. وقد أصبح هذا النظام أساس التقويم الميلادي المستخدم في العالم اليوم.

الألعاب النارية ومهرجانات التنين
يُعد رأس السنة الصينية أو “عيد الربيع” من أقدم الاحتفالات المستمرة حتى اليوم، ويعتمد على التقويم القمري ويأتي بين أواخر يناير ومنتصف فبراير. تشمل مظاهره إطلاق الألعاب النارية، رقصة التنين والأسد، تبادل الهدايا، وزيارة الأقارب، إضافة إلى توزيع الأظرف الحمراء لجلب الحظ. ويعكس هذا العيد امتزاج التقاليد الشعبية بالفلسفة الكونفوشية.
احتفالات النار تكريماً لبداية العالم
كانت احتفالات رأس السنة عند حضارات المكسيك القديمة مرتبطة مباشرة بالتقويمات الدينية والزراعية، وليست بتاريخ ثابت كما اليوم. فبداية السنة كانت تُحدَّد حسب حركة الشمس والنجوم، وخاصة في التقويم الشمسي (365 يومًا) والتقويم المقدّس (260 يومًا). وعند نهاية كل دورة زمنية، كانوا يقيمون طقوسًا دينية مثل إطفاء النيران ثم إشعالها من جديد، وتقديم القرابين، وطلب البركة والحماية للسنة الجديدة. وعندما يلتقي التقويمان كل 52 سنة عند الأزتك، كانوا يقيمون احتفالًا عظيمًا يُسمّى طقس النار الجديدة تعبيرًا عن تجدد العالم وبداية زمن جديد.
حفلات الشرب والنار لاستحضار النور
لا توجد مصادر مباشرة عن احتفالات رأس السنة الجديدة لدى القبائل الجرمانية القديمة في وسط وشمال أوروبا، ولكن هناك إشارات في نصوص المؤرخين الرومان، وفي الأساطير الأنجلوسكسونية والأيسلندية، وفي سجلات العصور الوسطى، بالإضافة إلى الاكتشافات الأثرية. لم يكن تاريخ احتفال رأس السنة موحدًا، فقد حددته معظم القبائل في منتصف الشتاء بالقرب من الانقلاب الشتوي، بينما حددته بعض القبائل في بداية الربيع. كان احتفال رأس السنة يتكون من حفلات شرب جماعية مفرطة، وتقديم قرابين الشكر والبركة للعام القادم، وتقديم قرابين للخصوبة والحماية. لعبت طقوس النار والمشاعل ونار عيد يول دورًا مهمًا للغاية كرمز لـ ”النور المولود من جديد“ بعد ظلام الشتاء الاسكندنافي الطويل. ورافق ذلك فكرة أن الأجداد يكونون قريبين في موسم الظلام. في العديد من الأماكن، كان لما يسمى بـ ”الليالي الاثني عشر“ بين الانقلاب الشتوي واليوم الأول من يناير أهمية خاصة: هنا شعر الناس بالتهديد من قبل فرسان خارقين في ”مطاردة جامحة“.
عولمة التقويم وعلمانية الاحتفالات
يعتمد العالم اليوم التقويم الغريغوري، مما جعل الأول من يناير بداية رسمية للسنة في معظم الدول، مع استمرار استخدام بعض التقاويم التقليدية مثل الصيني والفارسي والعبري والإثيوبي. وقد اتخذ الاحتفال طابعًا عالميًا دنيويًا نتيحه للعولمة وانتشار الانترنت، يتمثل في العدّ التنازلي، الألعاب النارية، تبادل التهاني والهدايا، ووضع قرارات شخصية للعام الجديد، إلى جانب التجمعات الاجتماعية. ويميل هذا النمط الحديث إلى الطابع الاجتماعي والترفيهي أكثر من الديني.
تكشف الاحتفالات برأس السنة عن جانب مهم من تطور الثقافة الإنسانية، حيث انتقلت الفكرة من كونها حدثًا دينيًا وزراعيًا مرتبطًا بالطبيعة والآلهة إلى مناسبة اجتماعية عالمية تتميز بالطابع الاحتفالي. وهي ليست مجرد طقوس ترفيهية عابرة، بل ظاهرة ثقافية تاريخية تعكس علاقة الإنسان بالزمن والكون والمجتمع. فقد نشأت في سياق فلكي وديني، وتطورت لتصبح مناسبة اجتماعية عالمية تحمل دلالات رمزية عميقة. ورغم وحدة المناسبة، فإن تنوع طرق الاحتفال يظل دليلًا على ثراء التجربة الإنسانية وتعدد طرق التعبير عن فكرة البداية والتجدد. تؤدي عولمة الاحتفالات عبر المناطق الزمنية للأرض إلى ظهور تأثير بدء العام الجديد كل ساعة في مناطق مختلفة، وهو ما تظهره أخبار التلفزيون في جميع أنحاء العالم. تبدأ الدورة في المحيط الهادئ في جزيرة عيد الميلاد وتنتهي مرة أخرى في المحيط الهادئ في جزيرتي بيكر وهاولاند التابعتين للولايات المتحدة الأمريكية.
يمكن الاطلاع على مزيد نت المعلومات
Neujahr in verschiedenen Kulturen – tuenews
Nouruz: Ein Fest der Gemeinschaft und des Neubeginns – tuenews
يوسف كنجو
tun25112404

