20. فبراير 2026

كيف تطوّرت مظاهر العنف في الشرق الأوسط خلال عصور ما قبل التاريخ؟

ولا يُعرَف على وجه الدقة متى ظهرت أولى دلائل العنف في التاريخ البشري، كما لا يمكن الجزم فيما إذا كان العنف صفة فطرية ملازمة للإنسان أم سلوكًا مكتسبًا فرضته الظروف البيئية والتطوّرات الاجتماعية التي مرّ بها عبر الزمن.
ففي الوقت نفسه، مرّ التاريخ البشري بمراحل وثقافات متعددة، بدءًا من العيش في مجموعات عائلية صغيرة تعتمد على التنقّل المستمر والصيد، ثم تطوّر إلى مجتمعات قروية مستقرة تعتمد على الزراعة، وصولًا في مراحل لاحقة إلى مجتمعات أكثر تعقيدًا، وأنظمة حكم ملكية وإمبراطورية.  

قبل الكتابة: أدلة أثرية على العنف

أسهمت هذه التحوّلات، إلى جانب العوامل البيئية المحيطة، في تغيير مفاهيم البشر حول طبيعة العلاقات مع الآخرين، الأمر الذي أدّى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى ظهور أنماط مختلفة من العنف داخل المجتمعات القديمة، والتي من المؤكد أنها تطوّرت وتعقّدت مع مرور الزمن.  
وفي هذا السياق، يبرز السؤال حول الدلائل التي يمكن من خلالها الاستدلال على وجود العنف في المجتمعات القديمة. فمن منظورنا الحالي، يمكن تتبّع مظاهر العنف من خلال عدد من الشواهد الأثرية، أبرزها وجود الأبنية الدفاعية كالقلاع والأسوار، وانتشار الأسلحة وأدوات القتال، إضافةً إلى الكسور والإصابات والآثار الرضّية الظاهرة على الهياكل العظمية المكتشفة في المواقع الأثرية.

يمكن تفسير الأدلة المبكرة على العنف على أنها طقوس دينية

في العصور الحجرية الحديثة تبدو المجتمعات البشرية للوهلة الأولى مسالمة فيما بينها، اعمال العنف تبدو نادرة، وجود أنواع معيّنة من الأبنية، كالأبراج، أو العثور على دلائل فصل الرأس عن الجسد، مؤشرًا مباشرًا على ممارسة العنف في المجتمعات القديمة، إذ إن تفسير هذه الظواهر يجب أن يتم ضمن سياقها الديني والثقافي. ففي كثير من الحالات، يرتبط هذا النوع من المكتشفات بالطقوس الشعائرية والعادات الاجتماعية السائدة آنذاك.
ويُعدّ تل القرامل في شمال سوريا، المؤرَّخ إلى الألف العاشر قبل الميلاد، مثالًا واضحًا على ذلك. فقد كشفت التنقيبات الأثرية في الموقع عن خمسة أبراج مبنية من الحجارة، إضافةً إلى آثار فصل للرأس عن الجسد، تمثّلت بوجود علامات قطع على الفقرات الرقبية الأولى. إلا أن هذه الدلائل لا تشير بالضرورة إلى عنف منظّم أو صراع دموي.
فالأبراج المكتشفة يُرجَّح أنها كانت تُستخدم كمراكز للاجتماعات ذات الطابع الديني أو الاجتماعي، وليس لأغراض دفاعية. أما فصل الرأس عن الجسد، فيُفسَّر ضمن إطار طقوسي، حيث كان الهدف فصل رأس المتوفّى والاحتفاظ به لاستخدامه في طقوس عبادة الأسلاف، وهي ممارسة معروفة في عدد من مواقع العصر الحجري الحديث المبكر في المشرق.


بقايا أطلال برج تم اكتشافه في تل القرامل شمال سوريا، يعود إلى الألف العاشر قبل الميلاد. لم يُستخدم هذا البرج وأربعة أبراج أخرى كمنشآت دفاعية، بل لأغراض دينية أو اجتماعية. الصورة: يوسف كنجو 2007

المجهود البدني مع اكتشاف الزراعة في العصر الحجري الحديث

في فترة الثورة الزراعية، وكما هو الحال في عصر الثورة الصناعية حاليًا، ظهرت أنماط حياة جديدة تمثلت في تغيّر الأعمال اليومية، مثل الحصول على الطعام، وتربية الماشية، والمشاركة في بناء المنازل بالإضافة الى الصراع على الموارد والعيش ضمن مجموعات قريبة من بعضها البعض. وقد انعكس ذلك على جسم الإنسان في تلك الفترة، وترك آثاره واضحة على عظامه، حيث لوحظت تغيّرات في المفاصل والعظام، إضافةً إلى انتشار الكسور. ويُعدّ موقع تل أبو هريرة مثالًا واضحًا على هذا النمط من الحياة، ويقع تل أبو هريرة على ضفة نهر الفرات، وقد كُشفت فيه بدايات تدجين الحيوان وممارسة الزراعة، إذ أظهرت العظام البشرية المكتشفة فيه دلائل مباشرة على تلك التغيرات في نمط الحياة وليس نتيجة الصراع بين افراد المجتمع كما سيحدث لاحقا.

الصراعات الأولى على المياه والأراضي الزراعية وطرق التجارة

 تشير الدراسات الأنثروبولوجية على الهياكل العظمية إلى ازدياد أعمال العنف في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، وهي فترة سبقت ظهور المدن والممالك الأولى وبدايات التحضّر البشري، ولا سيّما على مستوى التخطيط العمراني. وقد لوحِظت في هذه الفترة كسورٌ في الجماجم البشرية وجروحٌ ناتجة عن استخدام الأسلحة، إذ بدأ الإنسان آنذاك باستخدام أدوات قتالية مصنوعة من النحاس. وتبدو هذه النزاعات مرتبطة بالصراع على المياه والأراضي الخصبة والطرق التجارية.

أشكال مبكرة من الصراعات الداخلية الشديدة

يُعدّ تل براك  (3800 قبل الميلاد) ، في الجزيرة السورية، الدليل الأوضح على ذلك؛ إذ عثر الباحثون فيه على مقابر جماعية تضم مئات الهياكل العظمية، أظهرت دلائل على تقطيع الأطراف، إضافة إلى آثار افتراس حيواني (علامات أسنان الحيوانات)، ما يشير إلى أنّ الجثث تُركت مكشوفة قبل أن تُرمى في حفر نفايات من دون أي طقوس دفن. ويفسّر الباحثون هذه الظاهرة بوجود نزاع داخلي داخل المجتمع في تلك الفترة، أي ما يمكن تشبيهه بمصطلح «حرب أهلية» بالمعنى المعاصر. كما لوحظ أنّ معظم الضحايا كانوا من فئة الشباب، في حين لم يُعثر على هياكل تعود لأطفال أو لكبار في السن.

أسلحة قديمة: رؤوس سهام ورماح معدنية وآثار إصابات في هيكل عظمي بشري، معروضة في المتحف الوطني في حلب. الصورة: يوسف كنجو.

 تصاعد العنف مع حصار المدن

يقدم تل حمو كار  (3500 قبل الميلاد)، في الجزيرة السورية أيضًا، أقدم دليل معروف على حصار عسكري شامل وغزو منظّم في سوريا. فقد كشف علماء الآثار عن أسوار مدينة مدمَّرة، وآلاف «الذخائر» الطينية (حجارة مقلاع بيضوية الشكل) المنتشرة في أنحاء الموقع، إضافة إلى احتراق المباني الكبرى بالكامل، ما يدل على أنّ المدينة تعرّضت لنهب وتدمير منهجيَّين.


لكنّ أعمال العنف في الألف الثالث قبل الميلاد اتخذت شكلًا مختلفًا، ولا سيّما مع ظهور المدن والممالك الأولى، نتيجة تصاعد النزاعات حول الملكية والسلطة. ولم تَعُد هذه النزاعات مقتصرة على الأفراد أو الجماعات المحلية، بل أصبحت تدور بين مملكةٍ وأخرى.

  لمزيد من المعلومات:

https://www.spiegel.de/wissenschaft/mensch/archaeologie-der-erste-krieg-der-menschheit-a-460283.html
https://tuenews.de/vor-6000-jahren-fand-der-erste-krieg-auf-syrischem-boden-statt-2/

يوسف كنجو

tun26011306

www.tuenews.de/ar