تُعدّ كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في العالم، ويمارسها مئات الملايين من الناس في مختلف القارات. ومع ذلك، لا تزال أصولها الأولى غير واضحة، ولا نعرف على وجه اليقين إلى أي مدى مارست شعوب العصور القديمة هذه الرياضة بالشكل الذي نعرفه اليوم أو بأشكال مشابهة لها.
وتُعرف معظم الرياضات الحديثة بأصول أو أشكال مبكرة ظهرت في الحضارات القديمة، التي شهدت منافسات رياضية منذ آلاف السنين. وعند دراسة الاكتشافات الأثرية في أمريكا الوسطى، وهي منطقة تمتد من جنوب المكسيك حتى شمال هندوراس، نصادف لعبة قديمة تُعرف باسم «لعبة الكرة». ولم تكن هذه اللعبة كرة قدم ولا كرة يد، بل كانت شكلاً فريداً من اللعب باستخدام كرة مطاطية، تخضع لقواعد خاصة بها وتتميز بطابعها الفريد.
وتثير هذه اللعبة العديد من الأسئلة: كيف نشأت؟ وكيف كانت تُمارس؟ وما الدور الذي لعبته في حياة تلك المجتمعات القديمة؟
ومن الجدير بالذكر أن أهميتها تجاوزت بكثير مجرد الترفيه والمنافسة الرياضية، إذ ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالطقوس الدينية والمعتقدات الرمزية. وعلى عكس الرياضات الحديثة التي تنتهي بالفوز أو الخسارة، كانت بعض مباريات هذه اللعبة مسألة حياة أو موت، وهو ما يذكّر بالمشاهد الدموية التي كانت تشهدها المدرجات الرومانية القديمة.
بداية لعبة الكرة في أمريكا الوسطى قبل 3600 عام
نشأت لعبة الكرة هذه في القرن السادس عشر قبل الميلاد في المنطقة التي تضم اليوم جنوب المكسيك وغواتيمالا وأجزاءً واسعة من أمريكا الوسطى، حيث اكتُشفت ملاعب مخصصة لممارستها. وقد تميزت الحضارات السائدة في تلك الفترة بازدهار الفنون والعمارة وعلم الفلك، إلا أن المعتقدات الدينية كانت الجانب الأكثر تأثيرًا في حياتها، إذ شُيّدت معابد ضخمة أُقيمت فيها طقوس دينية متعددة، كان بعضها يتضمن تقديم قرابين بشرية.
وكانت طبقة الكهنة تمثل الفئة الحاكمة والأكثر نفوذًا في المجتمع. ورغم وجود حضارات متعددة، مثل الأولمك والمايا والأزتك، فإنها اشتركت في نظام ثقافي عام، مع وجود اختلافات محلية في العادات والتقاليد. كما شهدت هذه الحضارات تبادلًا ثقافيًا واسعًا، شمل أيضًا لعبة الكرة، التي انتشرت بأشكال مختلفة في أنحاء المنطقة.
وفي ذلك الوقت، كانت القارة الأمريكية معزولة تمامًا عن بقية العالم، إذ لم تكن معروفة بعد للحضارات الأوروبية والآسيوية، ولذلك لم يكن هناك أي تواصل أو تبادل ثقافي بينها وبين تلك الحضارات.
ويُعد موقع «باسو دي لا أمادا» أقدم ملعب معروف حتى الآن للعبة الكرة في أمريكا الوسطى، إذ يعود تاريخه إلى نحو عام 1600 قبل الميلاد. ويبلغ طول الملعب حوالي 85 مترًا، وكان من أكبر وأهم المنشآت في عصره، ويقع في أقصى جنوب المكسيك الحالية على ساحل المحيط الهادئ.
الشكل الهندسي لملاعب الكرة
كانت لعبة الكرة تُمارس في منشآت كبيرة مبنية من الحجر. وقد تم توثيق أكثر من 1300 ملعب لهذه اللعبة في أنحاء أمريكا الوسطى. وشُيّدت هذه المنشآت وفق نمط معماري أساسي ظل ثابتًا تقريبًا على مدى نحو 2700 عام، بينما اكتُشف ما يقارب 60% من هذه الملاعب خلال العشرين عامًا الماضية فقط.
وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة في أحجامها، فإن جميع ملاعب اللعبة تتشابه في تصميمها العام؛ إذ تتكون من ملعب طويل وضيق تحيط به جدران ذات أسطح أفقية ومائلة، وفي حالات نادرة جدران عمودية. وكانت الملاعب الأولى مفتوحة من الطرفين، في حين أصبحت الملاعب اللاحقة مغلقة من الجهتين، مما جعلها تبدو، عند النظر إليها من الأعلى، على شكل الحرف اللاتيني (Ɪ ).
ورغم أن نسبة الطول إلى العرض بقيت في المتوسط نحو 4:1 ، فإن أبعاد الملاعب اختلفت بشكل كبير. ويُعد ملعب تشيتشن إيتزا الأكبر المعروف، إذ يبلغ طوله 96.5 م وعرضه 30 م، في حين لا تتجاوز أبعاد ملعب تيكال حوالي 16 × 5 م.

في المركز: كرة مطاطية شديدة الارتداد
كان قطر الكرة المستخدمة في اللعبة يتراوح بين 10 و22 سم ، ويصل وزنها إلى نحو 4 كغ، مع اختلاف حجمها ووزنها باختلاف الفترة الزمنية أو نوع اللعبة وفئة اللاعبين.
وكانت الكرة تُصنع من المطاط الصلب، وتمتعت بقدرة عالية على الارتداد نتيجة عملية تشبه فلكنة المطاط، إذ كانت تُحضَّر من خلال خلط عصارة شجرة المطاط مع مسحوق بعض النباتات، مما يمنحها مرونة وقوة ارتداد مناسبة للعب.
وقد بدت هذه الكرة «مسحورة» في نظر الإسبان الأوائل الذين شاهدوا اللعبة، إذ لم يسبق لهم أن رأوا جسمًا يتمتع بمثل هذه القدرة الكبيرة على الارتداد.

لعبة بهلوانية ذات قواعد معقدة
تتمثل أهم المصادر القديمة المتعلقة بلعبة الكرة في أمريكا الوسطى في الاكتشافات الأثرية والتقارير الإسبانية المبكرة. وتشمل هذه المصادر النقوش البارزة والجداريات والرسوم الموجودة في معابد المايا والأزتك، التي تُظهر اللعبة وأهميتها الدينية والطقسية. كما تُعد ملاعب الكرة في مدن مثل تشيتشن إيتزا من أهم الشواهد الأثرية، إلى جانب ما دوّنه المؤرخون الإسبان في القرن السادس عشر، الذين قدموا أوصافًا قيّمة للعبة وجوانبها الدينية.
في معظم أشكال اللعبة، كان يُحظر لمس الكرة باليدين أو القدمين، بينما كان يُسمح بضربها، وفقًا للقواعد المحلية، باستخدام الوركين أو الكتفين أو الذراعين. وفي النسخة الأكثر شيوعًا، كانت الكرة تُلعب أساسًا بالوركين من جانب إلى آخر، بهدف إبقائها في حركة مستمرة داخل الملعب. وكان الفريق يخسر نقطة أو المباراة إذا عجز عن إعادة الكرة أو إذا خرجت الكرة من حدود الملعب.
وكانت المباريات تُقام بين فريقين، يتألف كل منهما من لاعبين إلى أربعة لاعبين. واتسمت اللعبة في كثير من الأحيان بطابع بدني عنيف، إذ كانت الكرة الثقيلة والصلبة قادرة على التسبب في إصابات خطيرة، مما جعلها لعبة تتطلب قوة ومهارة وتحملًا بدنيًا كبيرًا.
وفقًا للمؤرخ توريبيو دي بينافينتي موتولينيا، الذي عاش في القرن السادس عشر، كان يتم تسجيل نقطة عندما تلامس الكرة الجدار المقابل، في حين أن الفوز النهائي لم يكن يتحقق إلا بمرور الكرة عبر الحلقة الحجرية. غير أن هذا الإنجاز كان نادرًا للغاية، لأن الحلقات في تشيتشن إيتزا كانت مرتفعة وبعيدة عن ساحة اللعب. ولذلك، كانت معظم المباريات تُحسم على أساس النقاط.

طقوس دينية ذات دلالة كونية
كانت لعبة الكرة أكثر بكثير من مجرد نشاط رياضي؛ فقد أدت دورًا دينيًا وثقافيًا مهمًا، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالنظرة الكونية لدى مجتمعات أمريكا الوسطى. وفي بعض الحالات، كانت ترمز إلى الصراع بين النور والظلام أو بين الحياة والموت.
وكانت المباريات الرسمية الكبرى تُقام في إطار ديني واحتفالي. كما كانت الكرة المطاطية المتحركة تُفسَّر رمزيًا على أنها تمثل مسارات الأجرام السماوية المقدسة، مثل الشمس والقمر وكوكب الزهرة. وكان يُعتقد أن الفائز في المباراة يحظى بحماية الآلهة ودعمها.
وكان الهدف الأساسي من اللعبة هو إبقاء الكرة في حركة مستمرة. فإذا سقطت الكرة على الأرض، اعتُبر ذلك نذير شؤم. ويرى العديد من المؤرخين أن الكرة كانت رمزًا للشمس، وأن حركتها داخل الملعب كانت تحمل معاني كونية ودينية عميقة.
ومع ذلك، لم تقتصر اللعبة على الجانب الطقوسي فقط، بل كانت تُمارس أيضًا بشكل غير رسمي كنشاط ترفيهي، بما في ذلك من قبل الأطفال وأحيانًا النساء.
الرياضة والترفيه: مزيج من الدين والسلطة
في النهاية، تُظهر هذه اللعبة أن الحضارات القديمة لم تكن منشغلة بالحروب والسياسة والدين فحسب، بل طورت أيضًا أنشطة رياضية وترفيهية معقدة، حتى وإن ارتبط بعضها بالمعتقدات الدينية والسلطة السياسية. وتُعد لعبة الكرة في أمريكا الوسطى مثالًا فريدًا على الترابط بين الرياضة والطقوس الدينية والرموز الكونية.
مزيد من المعلومات:
Mesoamerikanisches Ballspiel – Wikipedia
لا تزال تقاليد لعبة الكرة محفوظة في بعض مناطق المكسيك، ولا سيما من خلال العروض الثقافية في المواقع الأثرية والمراكز السياحية. وفي الوقت الحاضر، لا تُمارس اللعبة غالبًا كمنافسة رياضية أصلية، بل بهدف الحفاظ على التراث الثقافي والتعريف بتاريخ الحضارات القديمة:
https://www.spiegel.de/video/mesoamerikanisches-ballspiel-in-teotihucan-in-mexiko-video-99017428.html
tun26062406

