17. أكتوبر 2026

هل تأسست مستوطنة الكلتيين على يد مهاجرين؟

قبل نحو 2200 عام، كان الكلتيون يشكّلون غالبية السكان في جنوب ألمانيا، وقد أسسوا مستوطنات كبيرة عُرفت باسم «أوبيـدا» (Oppida). وكانت مستوطنة ألتنبورغ/رايناو، الواقعة على نهر الراين الأعلى بالقرب من شافهاوزن، إحدى هذه المستوطنات. ومنذ أربع سنوات، يجري المكتب الحكومي لحماية الآثار في ولاية بادن-فورتمبيرغ حفريات في ألتنبورغ بحثًا عن آثار تدل على حياة الكلتيين.

003373_Grabungsleitung
من اليمين: رئيس فريق التنقيب غونتر فيلاند من المكتب الحكومي لحماية الآثار، يناقش مع عالم الآثار الحكومي ديرك كراوسه والمسؤول التقني عن التنقيب أندرياس نيكل تفاصيل المكتشفات في ألتنبورغ، على نهر الراين الأعلى. الصورة: تونيوز إنترناشونال / برنهارد كيرشنر.

ويقول غونتر فيلاند، رئيس فريق التنقيب، إنه مقتنع بأن «هذا المكان كان مركزًا تجاريًا مهمًا». ويُرجّح أن عدة آلاف من الأشخاص عاشوا آنذاك في شبه الجزيرتين الواقعتين على الحدود الألمانية السويسرية. ففي هذا الموقع، يشكّل نهر الراين منعطفين متتاليين على شكل حرف S، بعد بضعة كيلومترات من الشلال القريب من شافهاوزن. ويُعتقد أن المستوطنتين الواقعتين في منطقتي يِتستِتن-ألتنبورغ الحاليتين، ضمن مقاطعة فالدسهوت، ورايناو في كانتون زيورخ، كانتا محصنتين جيدًا بسورين وجدران دفاعية. ولا تزال بقايا هذه التحصينات ظاهرة حتى اليوم.

صورة جوية للمنعطفين المتتاليين لنهر الراين الأعلى أسفل شلال الراين. امتدت مستوطنة ألتنبورغ/رايناو الكلتية على شبه الجزيرتين اللتين يحيط بهما النهر. الصورة: المكتب الحكومي لحماية الآثار التابع للإدارة الإقليمية في شتوتغارت، المصور: كريستوف شتيفن.

ازدهار قصير لمركز تجارة النبيذ

لم يدم ازدهار مستوطنة «أوبيـدوم» خلال ما يُعرف بالمرحلة المتأخرة من ثقافة لاتين (لاتينيه) سوى فترة قصيرة، من نحو عام 120 إلى عام 60 قبل الميلاد. لكن عالم الآثار فيلاند، رئيس قسم العصرين البرونزي والحديدي في المكتب الحكومي لحماية الآثار، يؤكد أن «الحركة كانت نشطة للغاية هنا».
فقد ازدهرت تجارة النبيذ، وعُثر حتى الآن على أكثر من 15 ألف شظية من جرار الأمفورا. وكان النبيذ يأتي من منطقة البحر الأبيض المتوسط، وعلى الأرجح من إيطاليا في المقام الأول، ثم يُنقل إلى الشمال عبر جنوب فرنسا، باستخدام الأنهار والبحيرات. وتشير المصادر القديمة إلى أن الكلتيين كانوا شديدي الولع بهذا المشروب. وينقل رئيس فريق التنقيب فيلاند قولًا مفاده: «كانت أمفورا تحتوي على 25 لترًا من النبيذ تعادل قيمتها قيمة عبد مخصص لخدمة المائدة».
ومن المحتمل أن الرومان أقاموا مركزًا تجاريًا في ألتنبورغ. وتشير إلى ذلك بعض المكتشفات، ومنها قلم كتابة كان الرومان يستخدمونه لتدوين الملاحظات على ألواح مغطاة بالشمع.

You are currently viewing a placeholder content from Default. To access the actual content, click the button below. Please note that doing so will share data with third-party providers.

More Information

عملات فضية وبرونز

ويمازح فيلاند فريق تونيوز إنترناشونال قائلًا: «ربما كان لدينا هنا مصرف كلتي!». فقد عُثر هذا العام أيضًا على أكثر من 40 قطعة نقدية فضية، صكّها الكلتيون في الموقع نفسه. ويرى فيلاند أن ذلك دليل واضح على وجود اقتصاد يعتمد على النقود المعدنية.
ويفترض أن الكلتيين تعرّفوا على نظام سكّ النقود في منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال هجراتهم نحو الجنوب والشرق في القرن الرابع قبل الميلاد. ويوضح: «استُلهمت أولى العملات الكلتية من عملات الحاكمين المقدونيين فيليب الثاني والإسكندر الأكبر». وكان الكلتيون يتقاضون أجورهم بالفضة والذهب مقابل خدمتهم مرتزقةً في الجيوش، وقد قادتهم هذه الخدمة إلى مناطق تمتد حتى تركيا الحالية والشرق الأوسط.


دبابيس ملابس كلتية من الفترة المتأخرة، تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، عُثر عليها خلال أعمال التنقيب في ألتنبورغ. الصورة: المكتب الحكومي لحماية الآثار التابع للإدارة الإقليمية في شتوتغارت، المصورة: إيفون مولهايس.

مركز حضري للحرف والصناعات اليدوية

ويؤكد فيلاند أن «ألتنبورغ كانت آنذاك أيضًا مركزًا للحرف والصناعات اليدوية». فكثير من شظايا الفخار المكتشفة يعود إلى أوانٍ صُنعت باستخدام عجلة الفخار، ما يشير إلى وجود ورش متخصصة في صناعة الخزف. كما عثر علماء الآثار على عدد كبير من المنتجات البرونزية نصف الجاهزة، مثل الإبر والصفائح المعدنية، إضافة إلى كميات كبيرة من الخبث الناتج عن عمليات صهر المعادن. ومن المرجح أن البرونز كان يُسبك ويُعالج في ألتنبورغ أيضًا.
وعُثر كذلك على أعداد كبيرة من عظام الحيوانات، ولا سيما الأبقار والخنازير. ويستغرب فيلاند أن تكون هذه الكميات أكبر مما يحتاج إليه السكان المحليون، ويتساءل: «هل كان ذلك لأغراض التخزين والتصدير؟». وربما كانت هناك مسالخ كبيرة ومرافق لتدخين اللحوم وحفظها، وهو ما تشير إليه الثقوب الموجودة في عظام أكتاف الأبقار، التي يُحتمل أنها استُخدمت لتعليقها.


كشف علماء الآثار في ألتنبورغ، ضمن مقاطعة فالدسهوت، عن كميات كبيرة من شظايا الفخار وأجزاء من الأواني. الصورة: تونيوز إنترناشونال / برنهارد كيرشنر.

هل تأسست المستوطنة نتيجة الهجرة؟

لا يزال سبب تخلي الكلتيين عن هذه المستوطنة الكبيرة بعد بضعة عقود فقط غير معروف. ويرجّح فيلاند أن يكون للحرب الغالية التي قادها القائد الروماني يوليوس قيصر، أو لتقدم القبائل الجرمانية من الشمال، دور في ذلك. ففي نحو عام 60 قبل الميلاد، انتهى الاستيطان في ألتنبورغ، ثم انتقل مركز التجمع السكاني إلى شبه جزيرة رايناو الأخرى حتى نحو عام 40 قبل الميلاد.
ولا يزال مصدر هذا العدد الكبير من السكان الذين قدموا لتأسيس المدينة لغزًا أيضًا. فهل كانوا مهاجرين من مستوطنات شمالية أخرى اضطروا إلى مغادرة موطنهم في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد؟ أم أنهم أشخاص عادوا من حملات عسكرية في جنوب أوروبا، تذكرها المصادر الرومانية؟

اكتشاف نادر للسطح الأرضي القديم

على أي حال، حالف الحظ علماء الآثار التابعون للمكتب الحكومي هذا العام في مساحة التنقيب التي يبلغ طولها 20 مترًا وعرضها 10 أمتار. فقد وصلوا إلى طبقة الأرض التي كان الكلتيون يسيرون عليها، وعثروا على أرضية مرصوفة. ومن المحتمل أن يكون المكان قد استُخدم كساحة سوق، وهو أمر ليس مستغربًا في منطقة المدخل، خلف السور الدفاعي مباشرة.
كانت المكتشفات الحالية تُعدّ في ذلك الزمن نفايات تُرمى ببساطة، أو أشياء فُقدت ودُهست بالأقدام حتى استقرت في الأرض. ويقول فيلاند مسرورًا: «لكن هذه المكتشفات تتيح لنا إلقاء نظرة على الحياة اليومية للكلتيين». ويضيف أن العثور على مثل هذه الآثار أمر نادر ومميز للغاية.


يتقدم فريق التنقيب في طبقات التربة تدريجيًا، كاشفًا آثار الموقع طبقة بعد أخرى. الصورة: تونيوز إنترناشونال / برنهارد كيرشنر.

أعمال تنقيب دقيقة وحذرة

لذلك، يعمل فريق التنقيب المؤلف من 15 شخصًا، بينهم عدد كبير من المتطوعين في جمعية علم الآثار في بادن-فورتمبيرغ، بحذر شديد أثناء التقدم في طبقات التربة، إذ يزيلون الطبقة الأثرية سنتيمترًا بعد سنتيمتر، حفاظًا على المكتشفات الكثيرة.
وبعد أن أزالت الحفارة الطبقة السطحية من التربة حتى عمق يقارب نصف متر، قُسّمت منطقة التنقيب إلى مربعات يبلغ طول ضلع كل منها مترين. ويوضح أندرياس نيكل، المسؤول التقني عن أعمال التنقيب، أن الفريق يوثّق منطقة الحفر وما تحتويه من مكتشفات بعد إزالة كل طبقة بعمق عشرة سنتيمترات.
ويعمل الفريق على مربعات متداخلة ومتزاحة، حتى يتمكن من توثيق المقاطع الجانبية للطبقات من الجهات الأربع. ويساعد ذلك على تحديد سُمك الطبقة الأثرية، الذي يختلف من مكان إلى آخر؛ فقد يبلغ عشرة سنتيمترات في موضع، وخمسة عشر سنتيمترًا في موضع آخر.
كما اكتشف الفريق جزءًا من حفرة دائرية عُثر بداخلها على نفايات من المستوطنة. ولا يزال الغرض من هذه الحفرة غير معروف.


يمتد بين ألتنبورغ ورايناو مسار دائري تعريفي يتيح للزوار التعرف على تاريخ الكلتيين. الصورة: تونيوز إنترناشونال / برنهارد كيرشنر.

ويأمل فيلاند، رئيس فريق التنقيب، أن تستمر أعمال الحفر في ألتنبورغ خلال العام المقبل، قائلًا: «إن هذا الموقع يحمل إمكانات هائلة». وهو يتوقع اكتشاف المزيد من المفاجآت والتوصل إلى معلومات جديدة عن حياة الكلتيين قبل نحو 2100 عام.
ويمكن للراغبين في التعرف على تاريخ ألتنبورغ ورايناو زيارة مسار دائري مخصص للكلتيين، يمتد على مسافة ثمانية كيلومترات ويعبر الحدود بين ألمانيا وسويسرا. وقد وضع منتزه شافهاوزن الطبيعي، بالتعاون مع بلدية يِتستِتن والمكتب الحكومي لحماية الآثار، لوحات تعريفية على طول المسار.


https://www.natourpark.ch/tour/keltenrundweg/

معلومات إضافية
https://de.wikipedia.org/wiki/Kelten
https://tuenews.de/kelten-im-suedwesten-2/
Kelten in der Latènezeit:
https://www.praehistorische-archaeologie.de/wissen/die-eisenzeit/latenezeit/
https://www.denkmalpflege-bw.de/
https://www.gesellschaft-archaeologie.de/startseite.html

tun26091604

http://www.tuenews.de/ar