22. يوليو 2026

مقارنة بين قانون حماية الآثار السوري وقانون حماية الآثار في بادن-فورتمبيرغ: أوجه التشابه والاختلاف

يوسف كنجو

الجزء الأول: أوجه التشابه والاختلاف

تهدف قوانين الآثار في مختلف دول العالم إلى حماية التراث الثقافي المادي وصونه من الاندثار، وضمان نقله إلى الأجيال القادمة. وتتركز معظم هذه القوانين بصورة أساسية على منع الأفراد والجهات العامة والخاصة من التعدي على المواقع الأثرية أو إلحاق الضرر بها. ومع ذلك، توجد اختلافات واضحة بين الأنظمة القانونية من منطقة إلى أخرى، سواء في آليات الحماية أو في إدارة التراث الثقافي واستثماره. وفي هذا السياق، يهدف هذا المقال إلى عرض أوجه التشابه والاختلاف بين قانون الآثار السوري بوصفه نموذجًا للتشريعات الأثرية في الشرق الأوسط، وقانون حماية الآثار في ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية بوصفه نموذجًا للتشريعات الأثرية في ألمانيا، وذلك من خلال مقارنة المبادئ القانونية والإجراءات التطبيقية المعتمدة في كلا النظامين.

تعريف مصطلح «المعلم الأثري» والنطاق الزمني لتطبيقه

في قانون حماية المعالم الأثرية الألماني (DSchG)، يستند تعريف «المعلم الأثري» في المقام الأول إلى معايير نوعية وإلى القيمة الثقافية للمعلم. وتُعدّ آثارًا الأشياء، ومجموعات الأشياء، وأجزاء الأشياء، التي يصب الحفاظ عليها في المصلحة العامة لأسباب علمية أو فنية أو متعلقة بتاريخ المنطقة أو بالتخطيط العمراني. ولا يوجد حد زمني محدد أو عمر أدنى لتصنيف شيءٍ ما بوصفه أثرًا.
في المقابل، يحدد قانون الآثار السوري معيارًا زمنيًا واضحًا؛ إذ يُعدّ أثرًا، بوجه عام، كل ما صنعه الإنسان أو نتج عن نشاطه، وكان قد نشأ قبل أكثر من 200 عام وفقًا للتقويم الميلادي، أو قبل أكثر من 250 عامًا وفقًا للتقويم الهجري. وفي الوقت نفسه، يمنح القانون السلطات المختصة بحماية الآثار حق تصنيف منشآت أو مقتنيات أحدث عهدًا ضمن الآثار، شريطة أن تتمتع بقيمة تاريخية أو فنية أو ثقافية خاصة.

حقوق الملكية في الممتلكات الثقافية وحق الدولة في المكتشفات الأثرية

في قانون حماية الآثار الألماني، يُطبَّق ما يُعرف بـ حق الدولة في المكتشفات الأثرية، والذي ينص على انتقال ملكية بعض الممتلكات الثقافية المكتشفة إلى الدولة. وينطبق ذلك بشكل خاص على المكتشفات التي يتم العثور عليها في إطار الحفريات الأثرية المرخَّصة من الدولة أو في مناطق الحفريات المحمية والمحددة قانونيًا. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تثبت ملكية الدولة أيضًا في حالة المكتشفات ذات القيمة العلمية الاستثنائية. ومع ذلك، يختلف التنظيم القانوني لحق الدولة في المكتشفات الأثرية من ولاية اتحادية إلى أخرى. ويُشتق مصطلح حق ملكية الكنوز (Schatzregal)  ، من المصطلح التاريخي (الامتيازات)  (Regalien)، وهي الحقوق الخاصة والسيادية التي كان يتمتع بها الملوك أو حكام الأقاليم في العصور الوسطى.
في المقابل، يتبع قانون حماية الآثار السوري نهجًا أكثر صرامة وشمولية بشكل واضح. وبموجبه، تُعتبر جميع الممتلكات الثقافية المنقولة وغير المنقولة الموجودة على الأراضي السورية أو في المياه الإقليمية السورية، من حيث المبدأ، ملكية عامة للدولة. ولا يحق للأفراد الاستيلاء على الآثار المكتشفة حديثًا أو الاحتفاظ بها. ويُعدّ الاستيلاء على هذه المكتشفات أو إخفاؤها أو حيازتها دون ترخيص مخالفة قانونية، ويُعاقب عليها بالعقوبات الجنائية المنصوص عليها في القانون.

الاكتشافات بالصدفة وقواعد التعويض

بموجب قانون حماية الآثار الألماني (DSchG)، يتعين على الأشخاص الذين يعثرون بالصدفة على معلم ثقافي أو مكتشف أثري الإبلاغ عن ذلك فورًا إلى السلطات المختصة. علاوة على ذلك، يجب ترك موقع الاكتشاف في حالته الأصلية وتأمينه لفترة محددة، عادةً أربعة أيام عمل في ولاية بادن-فورتمبيرغ، لتمكين إجراء فحص متخصص. وإذا أدى أحد الإجراءات المتعلقة بقانون حماية الآثار إلى تقييد حقوق الملكية بشكل يشبه المصادرة، يحق للمالك الحصول على تعويض مناسب.
كما ينص قانون حماية الآثار السوري على واجب الإبلاغ الفوري، لكنه يحدد مهلةً لذلك تبلغ 24 ساعة من تاريخ اكتشاف الأثر. وعلى عكس القانون الألماني، تمنح الدولة المكتشف أو المبلِّغ مكافأة مالية قد يتحدد مقدارها بناءً على قيمة الأثر الثقافي. غير أن هذا المبلغ لا يُعتبر تعويضًا عن فقدان الملكية، إذ إن الآثار، بموجب القانون السوري، تُعدّ ملكًا للدولة بشكل أساسي.

التنظيم الإداري ومستويات اتخاذ القرار

يتميز قانون حماية الآثار الألماني بنموذج إداري اتحادي لامركزي. وتتوزع الاختصاصات على عدة مستويات، ولا سيما على الهيئة العليا المعنية بالآثار في الولاية، والهيئات المتوسطة المتخصصة في مجال الآثار، فضلًا عن الهيئات الدنيا لحماية الآثار على المستوى البلدي. وتضطلع البلديات بدور محوري في هذا المجال، حيث تتخذ قراراتها الخاصة في إطار المهام الموكلة إليها، وتعمل على تنفيذ لوائح حماية الآثار على المستوى المحلي.
في المقابل، يتسم نظام حماية الآثار في سوريا بتنظيم مركزي بدرجة عالية. وتقع إدارة التراث الأثري والثقافي بالكامل على عاتق المديرية العامة للآثار والمتاحف، التابعة لوزارة الثقافة السورية. وتتمتع هذه الهيئة بصلاحيات واسعة ومباشرة في اتخاذ القرار، تشمل كامل أراضي الدولة، بما في ذلك جميع المحافظات والمدن، في حين يظل دور الهياكل الإدارية المحلية في مجال حماية الآثار محدودًا نسبيًا.

المعالم الأثرية الدينية والشعائرية

يمنح قانون حماية المعالم الأثرية الألماني إطارًا قانونيًا خاصًا للمعالم الأثرية المستخدمة لأغراض دينية وشعائرية. وتوجد لوائح محددة للمواقع التي تُستخدم لممارسة الطقوس الدينية، تراعي مصالح الطوائف الدينية المعنية. وفي هذا السياق، يمكن إيلاء أهمية خاصة للشؤون الدينية التي تحددها السلطات الكنسية أو الطوائف الدينية. علاوة على ذلك، توجد في بعض الحالات إمكانية أن تقوم الكنائس، بالتنسيق مع السلطات المختصة بحماية الآثار، بوضع وتنفيذ لوائحها الخاصة المتعلقة بالحماية والاستخدام.
أما في قانون حماية الآثار السوري، فتخضع المواقع الدينية وما يُعرف بـ أملاك الوقف في المجال الديني، مثل المساجد والكنائس والتكايا والمنشآت المماثلة،  بشكل مباشر لأحكام قانون حماية الآثار. وتُنفذ إجراءات الحماية والحفظ والترميم بالتنسيق بين السلطة المختصة بحماية الآثار ووزارة الأوقاف أو السلطات الكنسية المعنية. ومع ذلك، تبقى المسؤولية الفنية والإدارية الأساسية بوضوح لدى الهيئة الحكومية المختصة بحماية الآثار والمتاحف.

العقوبات والغرامات في حالة مخالفة قانون حماية الآثار


في قانون حماية الآثار الألماني (DSchG)، تُعامل المخالفات عادةً على أنها مخالفات إدارية، وإن كان القانون الجنائي يُطبَّق في بعض الحالات. وتتمثل العقوبات في الغالب في فرض غرامات مالية باهظة، يمكن أن تصل إلى 250,000 يورو حسب خطورة المخالفة، وإلى 500,000 يورو في الحالات شديدة الخطورة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن مصادرة الأشياء المرتبطة بالمخالفة الإدارية.
في المقابل، يتبع قانون حماية الآثار السوري نهجًا جنائيًا أكثر وضوحًا. فالتنقيب غير القانوني، والتهريب، أو الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات الثقافية تُعامل بوصفها جرائم جنائية خطيرة. وتشمل العقوبات المنصوص عليها أحكامًا بالسجن لسنوات عديدة، وفي بعض الحالات أيضًا الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة تصل إلى 15 عامًا. بالإضافة إلى ذلك، يمكن مصادرة الأدوات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، وكذلك الممتلكات الثقافية المعنية. وعلاوة على ذلك، ينص القانون على غرامات مالية قد تصل إلى أضعاف قيمة الممتلكات الثقافية التي تم تهريبها أو الاستيلاء عليها بشكل غير قانوني.
خلاصة
على الرغم من الاختلافات الجوهرية في فلسفة القانون والهيكل الإداري، لا سيما بين نظام حماية الآثار السوري ذي التنظيم المركزي ونظام حماية الآثار الألماني الفيدرالي اللامركزي، الذي يستند إلى مبادئ الدولة الديمقراطية، فإن كلا النظامين القانونيين يظهران أوجه تشابه ملحوظة. وتتجلى هذه أوجه التشابه بشكل أساسي في الأهداف العليا لحماية الآثار، وهي الحفاظ على التراث الثقافي، وإجراء البحوث العلمية حوله، ونقله إلى الأجيال القادمة. كما توجد أوجه تشابه عديدة فيما يتعلق بالأدوات القانونية والفنية المستخدمة لحماية الآثار الثقافية، حتى وإن كانت طرق تطبيقها وآليات تنفيذها تختلف أحيانًا بشكل كبير بسبب اختلاف الأطر القانونية والإدارية.

tun26070601

www.tuenews.de/ar