22. يوليو 2026

إحدى أقدم المخطوطات القرآنية في توبنغن

علا محفوظ ويوسف كنجو

تحتفظ مكتبة جامعة توبنغن بإحدى أقدم وأهم مخطوطات القرآن الكريم، وهو الكتاب المقدس في الإسلام الذي يُعدّ وحيًا من الله تعالى إلى النبي محمد. ويتناول هذا المقال الأهمية التي تتمتع بها هذه المخطوطة في تاريخ نقل النص القرآني، وكيف وصلت إلى توبنغن على وجه التحديد. غير أننا سنبدأ أولًا بالحديث عن نشأة القرآن الكريم.

نزول القرآن على مراحل

بدأت قصة نزول القرآن عام 610م في مكة المكرمة. ووفقًا للرواية الإسلامية، كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتوجه بانتظام إلى غار حراء في جبل النور للتأمل والعبادة. وهناك ظهر له الملك جبريل عليه السلام ، وأوحى إليه بأول آيات القرآن الكريم. ولم ينزل القرآن، وفقًا للرواية الإسلامية، دفعةً واحدة، بل نزل على مراحل امتدت نحو ثلاثة وعشرين عامًا. وقد بدأت هذه الفترة عندما كان النبي عليه السلام في نحو الأربعين من عمره، وانتهت بوفاته عن عمر ناهز الثالثة والستين.
ومن المنظور الإسلامي، كان لهذا النزول التدريجي عدة حكم ووظائف، من أبرزها تثبيت قلب النبي، والتدرج في تبليغ الأحكام والتعاليم الدينية للمؤمنين، وتيسير حفظ القرآن الكريم وفهمه وتطبيق تعاليمه في الحياة العملية.

جبل الوحي: جبل النور بالقرب من مكة.
الصورة: رولا الصغير

النقل الشفهي والكتابي

يتفق المؤرخون على أن القرآن الكريم نُقل في المرحلة المبكرة من الإسلام بطريقتين متكاملتين: شفهيًّا وكتابيًّا. فخلال حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حفظ العديد من الصحابة الآيات التي كانت تُوحى إليه عن ظهر قلب، ونقلوها إلى غيرهم. وفي الوقت نفسه، تشير المصادر الإسلامية إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام أولى أهمية كبيرة لتدوين الوحي بشكل كتابي..
ويُعدّ تحديد الوقت الذي بدأت فيه عملية تدوين الوحي بصورة منتظمة موضوعًا محل نقاش بين الباحثين. ونظرًا لعدم توفر الورق بالمعنى المتعارف عليه اليوم، كُتبت الآيات على مواد متنوعة، من بينها الرق، وعظام الحيوانات، ولا سيما عظام الكتف، والألواح الخشبية، والحجارة المسطحة. وهكذا نشأ منذ وقت مبكر ارتباط وثيق بين الحفظ الشفهي والتوثيق الكتابي، وأسهم هذان الأسلوبان معًا في حفظ النص القرآني ونقله.

توحيد المصحف بعد وفاة النبي محمد عليه السلام

بعد وفاة النبي محمد، وقعت معركة اليمامة، التي استشهد فيها عدد كبير من الصحابة الذين كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب. وخشية ضياع شيء من النص القرآني بوفاة الحفاظ، اقترح عمر بن الخطاب على الخليفة أبي بكر الصديق جمع القرآن في مصحف واحد. فكُلِّف بهذه المهمة زيد بن ثابت، أحد كتّاب الوحي، الذي جمع الآيات من مختلف المواد المكتوبة، وقابلها بما كان محفوظًا في صدور الصحابة. وهكذا أُنجز أول جمع كامل للقرآن في مصحف واحد.
وفي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، نُسخت عدة مصاحف موحدة اعتمادًا على هذا الجمع، وأُرسلت إلى مختلف أنحاء الدولة الإسلامية، بهدف توحيد قراءة القرآن والحفاظ على نصه بصيغة واحدة.

أقدم ثلاث مخطوطات قرآنية محفوظة

لا تزال بعض الشواهد المبكرة للنص القرآني محفوظة حتى يومنا هذا. ومن أشهرها ثلاث مخطوطات قرآنية بالغة القِدم، يُشار إليها في الدراسات الحديثة عادةً بالترتيب الزمني الآتي: مخطوطة برمنغهام، ثم مخطوطة توبنغن، ثم مخطوطة صنعاء. وتُظهر هذه المخطوطات درجةً عالية من التطابق مع النص القرآني، ويُنظر إليها في كثير من الدراسات بوصفها أدلةً على استقرار النص القرآني وتثبيته في مرحلة مبكرة من تاريخ الإسلام.

صفحة من مصحف يعود إلى أوائل القرن العشرين.
الصورة: يوسف كنجو.

لماذا توبنغن بالذات؟

اشترت مكتبة جامعة توبنغن هذه المخطوطة عام 1864 ضمن المجموعة الخاصة للقنصل البروسي في دمشق، يوهان غوتفريد فيتسشتاين، وكان هذا الدبلوماسي أيضًا مستشرقًا وباحثًا في الدراسات الشرقية، اهتم بجمع المخطوطات الإسلامية. وظلت مخطوطة القرآن محفوظة في أرشيف المكتبة لأكثر من قرن، دون معرفة عمرها الحقيقي.
وفي إطار مشروع دولي كبير يُعرف باسم كورانيكا  (Coranica)، خضعت المخطوطة للفحص باستخدام التأريخ بالكربون المشع في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ وكان الهدف من المشروع دراسة تاريخ النص القرآني اعتمادًا على أقدم المخطوطات المتاحة.
وأظهرت نتائج الفحص أن الرق (الجلد) المستخدم في مخطوطة توبنغن يعود، بنسبة احتمال تتجاوز 95%، إلى الفترة الواقعة بين عامي 649 و675م. ويعني ذلك أن الرق صُنع في فترة قريبة جدًا من زمن النبي محمد، أي بعد وفاته عام 632م بنحو 20 إلى 40 عامًا تقريبًا، مما يجعل مخطوطة توبنغن واحدةً من أقدم المخطوطات القرآنية المعروفة حتى اليوم.

كتابة قديمة على الرق

كُتب نص مخطوطة توبنغن على الرق، وهو مادة تُصنع من جلود الحيوانات، بخط عربي قديم يُمثل مرحلة انتقالية نحو الخط الكوفي المبكر، ويُصنف عادةً ضمن مجموعة الخطوط الحجازية. ويتميز هذا الخط بحروفه المائلة والممتدة، كما يخلو من النقط التي تميز بين الحروف ومن علامات التشكيل التي تُستخدم اليوم لضبط القراءة.
وتُعد مخطوطة برمنغهام أقدم من مخطوطة توبنغن، إذ تشير نتائج التأريخ بالكربون المشع إلى أن الرق الذي كُتبت عليه يعود إلى فترة تسبق عام 645م. أما مخطوطة صنعاء، التي اكتُشفت عام 1972 أثناء أعمال ترميم الجامع الكبير في صنعاء، فتُعد من أهم الاكتشافات الأثرية الإسلامية في العصر الحديث. وقد بينت الدراسات أن الطبقة السفلية من المخطوطة تعود إلى ما قبل عام 671م. ويتميز هذا المخطوط المكتشف في صنعاء بأنه باليمبسست (Palimpsest)، أي مخطوط أُزيل أو مُحي نصه الأصلي، ثم أُعيد استخدام الرق لكتابة نص جديد عليه. وقد كشفت الدراسات أن النص السفلي يحتوي على قراءة قرآنية أقدم، بينما يضم النص العلوي نسخة لاحقة من القرآن الكريم. ولذلك يُعد هذا المخطوط مصدرًا علميًا بالغ الأهمية لدراسة تاريخ تدوين النص القرآني وتطوره في مراحله المبكرة.

مخطوطة توبنغن متاحة على الإنترنت

تُعدّ مخطوطة توبنغن (Ma VI 165) جزءًا من مجموعة تضم أكثر من عشرين مخطوطة قرآنية محفوظة في مقتنيات مكتبة جامعة توبنغن. وتحتوي المخطوطة على أجزاء من سور القرآن الكريم، تبدأ من سورة الإسراء (17) وتنتهي عند سورة يس  (36) وقد قامت مكتبة جامعة توبنغن برقمنة المخطوطة كاملةً وإتاحتها للباحثين والجمهور عبر الإنترنت بجودة تصوير عالية، مما يتيح دراسة صفحاتها ومحتواها بسهولة. ويمكن الاطلاع على جميع صفحات المخطوطة من خلال الرابط الرسمي لمكتبة جامعة توبنغن:
https://opendigi.ub.uni-tuebingen.de/opendigi/MaVI165#p=11

للمزيد من المعلومات:
https://uni-tuebingen.de/newsfullview-landingpage/article/raritaet-entdeckt-koranhandschrift-stammt-aus-der-fruehzeit-des-islam/

tun26051107

http://www.tuenews.de/ar