26. يونيو 2026

أول محاضرة بعد الحرب: التراث الأثري الغني في منطقة حلب

سافر يوسف كنجو، أحد محرري مجلة tuenews INTERNATIONAL، وعالم الآثار السوري والمدير السابق للمتحف الوطني في حلب، إلى سوريا مرة أخرى في مايو/أيار 2026 لإجراء مباحثات حول مشاريع أثرية مخطط لها. وخلال هذه الزيارة، حظي بفرصة مميزة، إذ دعاه أساتذة وطلاب قسم الآثار في جامعة حلب لإلقاء محاضرة تناولت 25 مشروعًا أثريًا دوليًا للتنقيب، كانت تعمل في منطقة حلب بين عامي 2000 و2010. وكان كنجو قد أشرف على هذه البعثات بصفته مديرًا للمتحف الوطني في حلب، قبل أن تؤدي الحرب في سوريا إلى توقف جميع هذه الأنشطة العلمية والأثرية.  وقد مثّلت هذه المحاضرة أول لقاء أكاديمي من هذا النوع بعد سنوات الحرب، وشكّلت فرصة لاستعراض المواقع الأثرية المنقبة التي تزخر بها منطقة حلب وأهمية الجهود الدولية التي أسهمت في دراستها وحمايتها.

أول محاضرة بعد 14 عامًا

لم يكن لدى معظم الطلاب، ولا حتى العديد من الأساتذة الشباب الذين تراوحت أعمارهم حول الثلاثين عامًا، معرفة كافية بنتائج هذه الحفريات، إذ إن معظم الدراسات والمنشورات المتعلقة بها صدرت باللغة الإنكليزية، ولم تُنشر باللغة العربية إلا معلومات محدودة جدًا. وقد مثّلت هذه المحاضرة عودة يوسف كنجو إلى التدريس الجامعي بعد انقطاع دام 14 عامًا. فمنذ عام 2003 وحتى عام 2012، كان عالم الآثار البالغ اليوم 54 عامًا يُدرّس بانتظام في جامعة حلب إلى جانب عمله مديرًا للمتحف الوطني في المدينة. ولا يزال يتذكر محاضرته الأخيرة بوضوح، قائلاً: «بينما كنت أكتب على السبورة، سمعت فجأة أصوات إطلاق نار أمام مبنى الكلية. توقفت مندهشًا ونظرت إلى الطلاب، لكنهم ابتسموا وقالوا: “دكتور، هذا أمر عادي، يحدث كل يوم. تابع محاضرتك فحسب.   “ويضيف أن إطلاق النار كان صادرًا عن قوات نظام الأسد، التي كانت تطلق النار في الشوارع المحيطة، بل وداخل الحرم الجامعي أحيانًا. ويختتم حديثه قائلاً: بعد ذلك اليوم، لم أعد إلى الجامعة للتدريس مرة أخرى.


اهتمام كبير في التراث الثقافي الاثري في حلب

حظيت محاضرة يوسف كنجو، التي ألقاها في مايو/أيار 2026 واستمرت أكثر من ثلاث ساعات، بما في ذلك المناقشة وجلسة الأسئلة، باهتمام كبير. فقد حضرها أكثر من 100 شخص من الطلاب، بينهم عدد كبير من الطالبات، وأساتذة الجامعة، إضافة إلى مهتمين بالتراث الثقافي من خارج الوسط الأكاديمي. وقد امتلأت القاعة بالحضور، حتى أصبحت أصغر من أن تستوعب جميع الراغبين في المشاركة.
أمضى يوسف أكثر من يومين، إضافة إلى جزء من الليالي، في التحضير المكثف للمحاضرة مستعينًا بملاحظاته ووثائقه القديمة. ويوضح قائلاً: منذ آخر محاضراتي حول تلك الحفريات، انشغلت بقضايا مختلفة تمامًا، أهمها تقييم حالة التراث الثقافي السوري خلال سنوات الحرب، والعمل على وضع التدابير اللازمة لحمايته والحفاظ عليه.
وخلال محاضرته، استعرض كنجو تاريخ البحوث الأثرية في محافظة حلب، موضحًا أن أعمال التنقيب فيها تمتد لأكثر من مئة عام. وبين عامي 2000 و2010، كان يجري سنويًا نحو 25 مشروعًا أثريًا دوليًا بمشاركة بعثات من 12 دولة، من بينها ثلاث بعثات ألمانية. وقد شملت هذه المشاريع مختلف الفترات التاريخية، من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى العصر الإسلامي. ولم تقتصر نتائج هذه المشاريع على الاكتشافات الأثرية فحسب، بل أسهمت أيضًا في تأهيل أجيال من الباحثين والمتخصصين، حيث تلقى طلاب وعاملون في المتاحف من سوريا ودول أخرى تدريبًا أكاديميًا ومهنيًا مكثفًا، وحصل العديد منهم على شهادات جامعية وتخصصية في مجال الآثار والتراث الثقافي.


المحاضرة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي

يمكن الاستماع إلى محاضرة يوسف في العديد من المواقع على الإنترنت: قام العديد من الحاضرين بتسجيل مقاطع فيديو بهواتفهم المحمولة، بما في ذلك الصور، ثم نشروا هذه المقاطع على شبكات التواصل الاجتماعي. يذكر يوسف بشكل خاص طالباً تحدث إليه باللغة الألمانية بعد المحاضرة. ينحدر هذا الطالب من إدلب وقد فر مع عائلته إلى ألمانيا، حيث نشأ هناك. يتحدث الألمانية أفضل من العربية، لكنه يرغب بشدة في أن يصبح عالم آثار سوري. ولا يزال كنجو على اتصال به عبر تطبيق واتساب.

بعد الفعالية، جرت جلسة نقاش مع الأساتذة الذين شاركوا كطلاب في المحاضرات السابقة، ثم أعدوا أطروحات الدكتوراه الخاصة بهم في إيران ومصر وحلب حول مواضيع نظرية إلى حد ما، «لأنه لم تكن هناك حفريات جارية أثناء الحرب»، كما يقول كنجو. لذلك، كانوا راضين للغاية ومتفاجئين بنتائج الأبحاث التي تم عرضها، ورأوا فيها دافعاً كبيراً للطلاب الحاضرين. هؤلاء الطلاب في عامهم الدراسي الأول، الذي تم قبول 150 طالباً فيه. ويُظهر هذا العدد الكبير المكانة المرموقة التي تتمتع بها علم الآثار حتى الآن بعد انتهاء الدكتاتورية في سوريا.

الوضع مقلق في الجامعات السورية

وفي حديثه مع     tuenews INTERNATIONAL    تناول يوسف كنجو أوضاع الجامعات السورية في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أنها ما تزال تواجه تحديات كبيرة نتيجة سنوات الحرب الطويلة. وقال: إن وضع الجامعات ليس جيدًا، فقد عانت على مدى خمسة عشر عامًا من الحرب والإهمال ونقص التمويل وهجرة العديد من أعضاء هيئة التدريس. وكان الطلاب ولا يزالون الأكثر تضررًا من هذه الظروف.
ومع ذلك، يرى كنجو مؤشرات إيجابية تدعو إلى التفاؤل، موضحًا أن الجامعات تضم اليوم أعدادًا كبيرة من الطلاب المتحمسين لمواصلة تعليمهم، كما عاد بعض أعضاء هيئة التدريس إلى ممارسة عملهم الأكاديمي. ورغم النقص الواضح في التجهيزات التقنية الحديثة والبنية التحتية التعليمية، فإن الجامعات السورية تواصل عملها بصورة منتظمة وتسعى إلى تطوير برامجها الأكاديمية والبحثية للوصول إلى مستوى يواكب الجامعات في الدول المجاورة.
وأشار كنجو إلى أن الحكومة السورية الجديدة أعلنت في الأيام الأخيرة رفع رواتب أعضاء هيئة التدريس الجامعيين إلى نحو 1000 دولار أمريكي شهريًا، في خطوة تهدف إلى تحسين ظروف العمل الأكاديمي والارتقاء بجودة التعليم العالي.
وفي ختام حديثه، أعرب عن أمله في أن تحظى الجامعات السورية بمزيد من الدعم العلمي والمالي من الجامعات الأوروبية والمؤسسات الأكاديمية الدولية، إضافة إلى الاستفادة من خبرات الأكاديميين والباحثين السوريين المقيمين في الخارج، بما يسهم في إعادة بناء قطاع التعليم العالي وتعزيز دوره في نهضة البلاد.

الأمل في الدعم الأجنبي والسياحة

كما يبعث على الأمل تنامي حركة السياحة في سوريا، وهو ما لاحظه يوسف كنجو خلال الفترة الأخيرة. ويقول: المجموعة الأولى والأكبر هي من السوريين الذين هاجروا خلال الحرب، والذين يعودون الآن لأغراض سياحية وعائلية. أما المجموعة الثانية فهي من السياح الأجانب. ويمكن ملاحظة تزايد وجود السياح في عدد من المواقع التاريخية المهمة، مثل قلعة حلب، والمدينة القديمة في دمشق، ولا سيما الجامع الأموي، إضافة إلى مدينة تدمر الأثرية. كما بدأت تظهر مؤخرًا حملات وإعلانات سياحية لافتة على وسائل التواصل الاجتماعي تروّج لهذه الوجهات.
ويضيف كنجو: قبل الحرب، كانت سوريا وجهة سياحية مهمة، وكان يعمل في هذا القطاع عدد كبير من الناس. واليوم يحاول الكثيرون العودة إلى أعمالهم السابقة والاستفادة من الاهتمام المتجدد في سوريا. وفي هذا السياق، يرى أن عودة السياحة، إلى جانب الدعم العلمي والمالي الخارجي، يمكن أن تشكل عاملًا مهمًا في دعم جهود إعادة الإعمار الثقافي والاقتصادي في البلاد.


:مقالات ذات صلة حول حالة الاثار السورية منشورة  في تونيوز إنترناشيونال         

tun25041001
tun25032401
tun25031105
tun25071506

tun26052902

http://www.tuenews.de/ar